تم الملك لبني العباس بجيش خراسان الفارسي، واضمحلت خلافتهم بالجيش التركي، كان الجند الفارسي قوة الخلافة العباسية لأول أمرهم، ومن العنصر التركي بعد ذلك ضعفهم. وفي القرن الرابع كان الجيش العباسي مؤلفا من المماليك
44
الناصرية والبغائية والمسرورية والبكجورية واليانسية والمفلحية والأزكوتكينية والكيغلغية والكنداجية، نسبة لقواد لهم ووزراء من الأعاجم، كانت لهم القوة في الدولة العباسية، فأصبحت الخلافة بتدخل الفرس أولا وتدخل الترك وغيرهم آخرا، ألعوبة في أيدي كل من تتم له القوة والغلبة على غيره من الأمراء والخوارج، ولم يكن إلا قليل حتى أصبح سلطان الخلافة الفعلي لا يتعدى بغداد وما جاورها، بل أمسوا وليس لهم حتى في بغداد ولا في قصورهم وشئونهم الخاصة شيء من الاستقلال، يود كل عنصر من عناصر الجيش أن يستأثر بالسلطة دون منافسه من الأجناس الأخرى، وربما لم يكن جميع الترك والفرس ممن تمثلوا الإسلام ظاهرا وباطنا، فقد وقعت فتنة بين الأتراك والهاشميين في سنة 381 فرفع الهاشميون المصاحف على الرماح، فرفع الأتراك الصلبان على الرماح.
فسدت العصبية العربية في القرن الخامس فسادا ظاهرا، وفني الجنس العربي في الأجناس الغريبة الأخرى، حتى لا يكاد العربي يرى في المقامات العالية ، وأضعف بنو بوية الديلم، وبنو سلجوق الترك، عصبية الدولة العباسية العربية الفارسية، وانقرضت الدولة الأموية العربية من الأندلس، ولم يبق غير أقيال من العرب في المغرب بعد ذهاب الفاطميين من شمالي إفريقية ونزولهم مصر، وأخذ الصليبيون في العشر الأخير من هذا القرن يغزون بلاد المسلمين، فكان هذا العصر عصر تراجع السياسة العربية في كل مكان. وبمقتل العربي مسلم بن قريش صاحب الموصل (سنة 478ه) على يد سليمان بن قتلمش التركي - وكانت لمسلم طاعة حلب ورياستها شورى في مشيختها - انقرض الحكم العربي من الشام، أول قطر استصفاه العرب الفاتحون.
ثم دخلت البلاد في دور سياسي آخر، وأصبح الناس يعاونون كل متغلب على الملك، إذا أخلص النية في قتال الصليبيين، فحكم البلاد التركي والكردي والشركسي، وما عاد يخطر في البال إرجاع ملك العرب، فنسيت معاني القومية العربية، وماتت أو كادت روح العصبية المعروفة للقدماء، ولم يعد الملوك يعتمدون على قيس ويمن أو على إحداهما في قهر أعدائهم وتأييد سلطانهم، وأصبحت الجيوش المقاتلة والقواد والملوك من العناصر مختلفة لا تجمعها إلا كلمة الإسلام.
قرض صلاح الدين الكردي باسم نور الدين التركي دولة الفاطميين العربية في مصر فحكمها نور الدين باسم الإسلام، وحكمها بعده صلاح الدين وآله باسم الإسلام، وقامت بعد في مصر والشام دولة المماليك البحرية ودامت 130 سنة، ودولة المماليك البرجية وطال عمرها 135 سنة، وكلتاهما حكم باسم الإسلام لا باسم عناصرهما المنوعة، وجاء من هذه الدول عظماء من الرجال كنور الدين وصلاح الدين، ولم يطل عمر دولتيهما كثيرا على ما كان فيهما من الخير العظيم؛ وذلك لأن ولاية العهد لم تكن مقررة على قاعدة ثابتة، فنور الدين مثلا خلف ولدا صغيرا ارتضى به خواص أبيه ملكا، ولكن من الصعب أن يدبر طفل أمر البلاد في أحرج حالاتها السياسية، فأتى صلاح الدين نائب نور الدين في مصر وتولى الأمر في الشام بحكم الطبيعة، ولما هلك تفرق ملكه في أولاده، فاختلفوا واشتد خلافهم؛ لأنه لم يعهد إلى الكفؤ منهم بولاية العهد، ولئن كان فيهم رجال على جانب من الكفاءة، فإن اختلافهم فتح السبيل لعمهم العادل لتولي الملك.
لما مات العزيز بن صلاح الدين ملك مصر خلف ابنا عمره تسع سنين وأوصى له أبوه بالملك بعده، وسموه الملك المنصور، وتقرر أن يجعل له من يدبر أمره فجعلوا عمه الملك العادل أتابكه إلى أن يتأهل