41
عليه من الأموال والعطايا. قال ابن ظافر جامع أخبار الدولة العلوية بإفريقية ومصر والشام: إن هذه الدولة عظم خطب الاختلاف في أحوال أربابها، وقويت الشناعة بإبطال ما ادعته من انتمائها إلى العترة النبوية. قال وهم أصل القرامطة الذين كان هلاك الدين على أيديهم، وظهر خروجهم على أهل ملة الإسلام وتعديهم. كلام فيه حق وغيره. •••
لم تخل الأندلس وشمالي إفريقية أو الغرب الأقصى والأوسط والأدنى، ومصر واليمن وما إليهما، من ثائر على الخلافة العباسية أو من أمير سموه خليفة، أو من خلفاء لهم بالفعل، كانوا على جانب من القوة واستجماع أدوات الملك أمثال الأمويين في الأندلس، والفاطميين في إفريقية، ثم في مصر، وأمثال رجال دول المرابطين والموحدين والأدارسة وبني مرين والحفصيين، وجاء في بعض العصور عدة خلفاء في الأرض، ومنها خلافة سنية، وأخرى شيعية ، وثالثة خارجية، ورابعة زيدية، والقوة في مجموعها كانت للخوالف من أهل السنة.
كانت دول العرب الأولى إلى أواسط المائة الثامنة على صورتها الاستبدادية تجمع شمل الأمة في الجملة، والخير يأتيها متقطعا على أيدي الملوك العادلين، وإن لم تكن صفات العدل والحزم والعلم كل حين على مقياس واحد في كل فرد تولى الخلافة أو الملك، والنوابغ قليل عددهم في كل صناعة، فكيف بأصعب الصناعات صناعة الملك، وكان الصالح في القرون الأولى أكثر من الطالح في الملوك والزعماء، وفي القرن الرابع كثر عدد من لا يصلح للملك ولا لإدارة البلاد، وقوي الدخلاء فاستأثروا بالحكم، وبقي القول الفصل لهم في الحياة العامة، ولا حول ولا طول للخلفاء من العرب.
هذا، وعمر الخليفة أو الملك قصير، وندر أن يعمل بسيرته من يخلفه، حتى ابنه الذي رباه وأورثه ملكه، وقلما يكمل الخلف ما بدأ به السلف من عمل، أو جرى عليه من سياسة وتدبير، وفي النادر أن يحافظ الثاني على أوضاع الأول إلا فيما لا غنية عنه، وربما نفع من طالت أيامهم من الملوك على استبداد فيهم؛ لاستقرار الأمر في حياتهم، أكثر من ملوك استوفوا شروط الحكم، وما امتد أجل أحكامهم غير أعوام قليلة.
لو علت سن عمر بن عبد العزيز لدخلت خلافة الأمويين، بل الإسلام والمسلمون، في طور جديد من كل وجه، ولو طال عمر المأمون لم يعلم أحد ما كان يكون من حكمته وحنكته في دولة بني العباس، وما أعاد القادر بالله (422ه) جدة الخلافة العباسية وجدد ناموسها، وكان قد طمع فيها الديلم والترك، إلا لأن خلافته أربت على إحدى وأربعين سنة، وما أصبح الخليفة الناصر العباسي مرهوب الجانب في الهند
42
ومصر والشام والعراق، وخطب له ببلاد الأندلس وبلاد الصين، ودانت له السلاطين، إلا لأنه طالت أيامه سبعا وأربعين سنة 622ه، وهكذا يقال في الناصر الأموي الذي كانت خلافته في الأندلس خمسين سنة 300-350ه، وقل مثل هذا في المستنصر العبيدي من الفاطميين، وسنجر بن ملكشاه من السلجوقيين، وقلاوون وابنه محمد من المماليك.
قد ينطوي الخليفة أو الملك الذي تدوم خلافته على عيوب تحتمل في جانب الاستقرار الذي تنتفع به الأمة، ومن النادر أن تطول أيام الملك ولا يختلف نظر الناس في الحكم عليه، وتبدو لهم مقاتله وتظهر عيوبه، وإذا كان من نسل عظماء موقرين في الصدور، تنشأ له هيبة فيضم شمل الجماعة، كما كان من الناصر العباسي الذي دعوه أسد بني العباس
43
لإحيائه الخلافة، وكانت قد ماتت بموت المعتصم، ثم ماتت بموته.
ذكروا أن العباسيين الأولين صرفوا الملك في وجوه الحق ومذاهبه ما استطاعوا، حتى جاء بنو الرشيد فكان منهم الصالح والطالح، ثم أفضى الأمر إلى بنيهم فأعطوا الملك حقه، وانغمسوا في الدنيا وباطلها، ونبذوا الدين وراء ظهورهم، فتأذن الله بحربهم، وانتزع الأمر من أيدي العرب جملة وأمكن سواهم منهم، وهذا الرأي لا يصح على إطلاقه في كل الدول التي قامت ثم انقرضت.