36
يلقبون كألقاب الخلفاء فيهم، وكان ابن مماتي في الأدوار الأخيرة كالمستولي
37
على الديار المصرية ليس على يده يد، والمسمون بالخلافة من الفواطم محجوبون ليس لهم غير السكة والخطبة، ومن أظهر الظواهر السياسية في مؤخرات أيام الفاطميين أنهم كانوا يواترون نقل العمال والولاة والوزراء، مخافة أن يتأصل شأنهم في البلاد، وكانوا إذا جاء فيهم مثل المعز على جانب من الثقافة العالية لا تأخذه رحمة بمن يلاحظ أنهم مخالفوه في رأيه، فقد حرق كثيرا من أعيان مصر وأدبائها بالنار
38 - إذا جاء فيهم مثل هذا فقد كان فيهم أضعف الضعاف الفاسدين.
ولقد بالغ بعضهم في عمل الفاطميين، وتابعهم من يأخذون الأمور على ظواهرها، ولو أنصفوا التاريخ لما تحرجوا من التصريح بأن ظلم الفاطميين في شمالي إفريقية أخرجها من أيديهم على أقل سبب، واشتداد عمالهم في إيذاء الناس في صقلية منع من امتداد سلطان المسلمين في جنوبي أوروبا، حتى قال أحد المفكرين في هذا العصر:
39
إنه لم يجن أحد على الإسلام ما جناه هؤلاء العبيديون الفاطميون. ومما ذكر من مساويهم أنه في عهد أبي عبيد المهدي نصب على ولاية أوروبا؛ أي صقلية، خليل بن إسحاق الطاغية، فقضى في الحكم أربعة أعوام، ارتكب فيها من الجور والفساد ما لم يسمع بمثله، ومن ظلمه أخذ المسلمون يفرون أفواجا إلى البلاد النصرانية ويتنصرون، ولما عاد سنة 329ه إلى إفريقية كان يفتخر بمظالمه، وحضر مجلسا فيه وجوه الدولة العبيدية في قصر الإمارة، فقال: إنه قتل في إمارته ألف ألف نسمة، فرد عليه أبو عبد الله المؤدب، وكان من عقلاء الرجال في الدولة الشيعية: «لك يا أبا العباس، في قتل نفس واحدة ما يكفيك.»
وخطب للفاطميين في الحرمين (362ه)، وفي سنة 396 خطب بالحرمين للحاكم بأمر الله، وأمر الناس عند ذكره بالقيام وأن يسجدوا له، وكان الرسم أن يلقى الناس الخليفة الفاطمي بتقبيل الأرض، عادة لهم أخذوها من الفرس والإسلام لا يقرها، وخطب أمير بني عقيل للحاكم الفاطمي بأعماله كلها، وهي الموصل والأنبار والمدائن والكوفة (401ه) وغيرها، وكان ابتداء الخطبة بالموصل «الحمد لله الذي انجلت بنوره غمرات الغضب، وانهدمت بعظمته أركان النصب.» وخطب البساسيري (450ه) بجامع المنصور ببغداد للمستنصر بالله العلوي خليفة مصر، وأمر المؤذن فأذن بحي على خير العمل، ودامت الخطبة له سنة.
امتد ملك الفاطميين منذ قاموا بسجلماسة سنة 296ه إلى أن توفي العاضد سنة 567ه مائتين واثنتين وسبعين سنة، وظلت المنابر تخطب بأسماء خلفائهم في إفريقية إلى سنة 435ه، وفيها نبذت دعوتهم عقبى ثورة الإفريقيين على الشيعة في شمالي إفريقية، وخطب لبني العباس فيها منذ سنة 439ه، واعترف خليفة بغداد بالاستقلال للمعز الذي خلف دولة الفاطميين بإفريقية. وفي أيام الفاطميين قتل الدوقس عظيم الروم على حصن فامية من بلاد الشام (332ه)، وقتل من عسكره ألوف وأسر منهم خلق كثير، وكان يعقوب بن كلس أحد كبار وزرائهم أوصى خليفته المعز عند وفاته بأن يسالم الروم ما سالموه، وأن يقنع من الحمدانية بالدعوة والسكة، وألا يبقي على مفرج بن دغفل بن جراح إن عرضت له فيه فرصة.
40
وكان المعز نصح لنائبه يوسف بن زيري لما أزمع الرحيل إلى الشرق، بعد أن فتحت مصر باسمه فقال: إن نسيت شيئا مما أوصيتك به، فلا تنس ثلاثة أشياء: لا ترفع الجباية عن أهل البادية، ولا ترفع السيف عن البربر، ولا تول أحدا من أهل بيتك، فإنهم يرون أنهم أحق بهذا الأمر منك، واستوص بالحضر خيرا. وكانت أبدا سياسة الفاطميين مع غير الدول الإسلامية لينة، ويقال: إن من رجالهم المتأخرين من فاوضوا الصليبيين ليسلموا لهم ملكهم الذي كان في بعض الأدوار بأيدي النساء والمتغلبين من الرؤساء، وكان يؤتى ببعضهم وهم أطفال يجلسون على سرير الملك، وفي سيرة بعضهم من القبح ما لو قسم على عدة ملوك لكان فظيعا، وإن مجد فيهم عمارة اليمني بشعره؛ لكثرة ما أغدقوا