32
إن المعز لدين الله
33
كان أعظم ملوكهم خطرا، وكان بعيد الصيت، عظيم الجبروت، وقورا كثير التأني، ذهب بنفسه كل مذهب، حتى زعموا أنه أمر المؤذن أن يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن معدا رسول الله، وأن مما يشهد لذلك قول شاعره أبي القاسم محمد بن هانئ الأندلسي في القصيدة الشهيرة التي أولها:
أتظن راحا في الشمال شمولا
أتظنها سكرى تجر ذيولا
ويقول من أبيات غير متوالية:
أمديرها من حيث دار لطالما
زاحمت تحت لوائه جبريلا
أورثته البرهان والتبيان وال
فرقان والتوراة والإنجيلا
وعلمت من مكنون علم الله ما
لم يؤت في الملكوت ميكائيلا
لو كنت آونة مبشر أمة
34
نشرت لمبعثك القرون الأولى
لو كنت نوحا منذرا في قومه
ما زادهم بدعائه تضليلا
لله فيك خفية لو أعلمت
أحيا بذكرك قاتل مقتولا
لو كان آتي الخلق ما أوتيته
لم يخلق التشبيه والتمثيلا
والكتب لولا أنها لك شهد
ما فصلت آياتها تفصيلا
لولا حجاب دون علمك حاجز
وجدوا إلى علم الغيوب سبيلا
لو لم تعرفنا بذات نفوسنا
كانت لدينا عالما مجهولا
وإذا أحسنا الظن بالمعز - وهو في قوم أكثرهم على خلاف مذهبه يضمرون له ولدولته السوء - نقول: إن هذه مبالغة شاعر كان الأولى بالملك الفاطمي ألا يقره عليها؛ لأن إشاعتها مما يضر بسياسته، وإذا أسأنا الظن نقول: إنه أوعز بعمل هذه الأبيات، أو كان على الأقل لا يرضيه غير هذا اللسان، وهذا الإغراق في مدحه، والمعز هو الذي صحت عزيمته على فتح مصر بعد أن غزتها جيوش دولته غير مرة، وكان فتحها على يد مولاه القائد جوهر الصقلي الذي قطع خطبة بني العباس عن منابر الديار المصرية، ونزع اسمهم من السكة، وعوض عن ذلك باسم مولاه، وأزال الشعار الأسود، وألبس الخطباء الثياب البيض، وأمر بالزيادة عقيب الخطبة «اللهم صل على محمد المصطفى، وعلى علي المرتضى، وعلى فاطمة البتول، وعلى الحسن والحسين سبطي الرسول الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، وصل على الأئمة الطاهرين آباء المؤمنين.» وأذن بحي على خير العمل، صيغة الأذان الشيعي، ولما دخل المعز إلى مصر أمر بأن ينقش على الجدران في مصر القديمة «خير الناس بعد رسول الله أمير المؤمنين علي بن أبي طالب.»
35
قيل: إن الجيش الفاطمي لما دخل مصر كان مائة ألف، وقيل مائة وأربعين ألف مقاتل، معه ألف وخمسمائة جمل تحمل الذهب فقط، ذكروا أنه كان ثلاثة وعشرين ألف ألف دينار، وهو مبلغ عظيم يدل على اشتطاط الفاطميين في سلب من حكموهم من الأفارقة مدة ليفتحوا بما جبوا مصر ويمتدوا منها إلى الحرمين، ثم يضعون أيديهم على الملك العباسي، واستكثر الفاطميون من العساكر بمصر فكانوا بين كتامة وبربر ومغاربة وروم وصقالبة عددا عظيما، قل لدولة أن جمعت مثله و«تمتاز الدولة العبيدية على من تقدمها في الأمر بكونها تأسست بدعوة الدين، والقائمين بنصرتها هم البربر من قبائل إفريقية.» وأقبل العبيديون في آخر أمرهم على شراء المماليك لاتخاذهم عبيدا وحراسا وبطانة، وأصبح جيشهم مؤلفا من العبيد السود والأمراء المصريين والعربان والأرمن وغيرهم، وكثر النصارى واليهود في خدمة الفاطميين على صورة مستغربة، ثم اضطهد النصارى على عهد الحاكم بأمر الله وخربت كنائسهم، ثم أعيدت إلى ما كانت، وأبقى الفاطميون أهل السنة في أعمالهم في البلاد المصرية والشامية والحجازية، ثم راحوا يستعيضون عنهم، ولا سيما عن كبرائهم، بأناس من أهل عصبيتهم الإسماعيلية، فضجت البلاد من مظالمهم، ومن فرضهم مذهبهم على أهل السنة فرضا، ومن العمال من تظاهروا بالتشيع لتسلم لهم مناصبهم، ومنهم من أبوا فنحوا عن أعمالهم.
مهد الفاطميون لخلافتهم بالبذل الكثير للشعراء وأرباب الدعاية، وأكثروا من الألقاب الغريبة، يعطونها لمن يرجون الخير منه لسلطانهم، وكان الوزراء في بعض أدوار هذه الدولة