28
ورأس الصفرية والواصلية، وتعاقبت مملكة تاهرت بنو ميمون وإخوته، ثم بعث إليهم عبد الله بن إبراهيم بن الأغلب صاحب إفريقية أخاه الأغلب، فقتل من الرسمية عددا كثيرا، وملك بنو رستم تاهرت مائة وثلاثين سنة، ودامت دولتهم إلى سنة 202ه، وامتدت دولة إدريس بن عبد الله من السوس الأقصى إلى تلمسان، وكان من جملة قواعد مملكته فاس، وانقرضت سنة 307ه، وكانت قامت سنة 172ه.
وفي النصف الأول من القرن الثالث عندما كانت تاهرت، وما إليها في أيدي ميمون الرسمي
29
كان وادي الرمل ووادي الزيتون وقصر الأسود بن الهيثم إلى طرابلس وما وراء ذلك في يد ابن صغير البربري المصمودي، وكانت إيزرج مما يلي تاهرت في يدي إبراهيم بن محمد البربري المعتزلي، وطنجة وفاس في أيدي ولد إدريس بن إدريس بن إدريس، ولا يسلم عليه بالخلافة، وإنما يقال: «السلام عليك يا ابن رسول الله»، وكان يسلم على الأموي صاحب الأندلس «السلام عليك يا ابن الخلائف»؛ وذلك إنهم لا يرون اسم الخلافة إلا لمن ملك الحرمين.
وكان بنو الأغلب عمالا للعباسيين في إفريقية فمنحهم الرشيد شبه استقلال في داخليتهم، فأنشأوا لهم دولة في تلك الأصقاع زالت بغلطة سياسية ارتكبها إبراهيم الثاني من بني الأغلب؛ ذلك لإبعاده كثيرا من الجيوش العربية الداخلة في إفريقية عند افتتاحها ومعظمهم
30
من قيس وتميم وفهر وجرير، فتطاولت رقاب كتامة من البربر فسقطت الدولة العربية، ودامت دولة الآغالبة مائة واثنتي عشرة سنة كما دامت دولة بني مدرار في سلجماسة مائتين وستين سنة.
وأعاد إدريس من ولد محمد بن القاسم الإمامة إلى بيته، بعد أن كانت فيه مدة ثم تراجعت وذلك بعد الأربعين وثلاثمائة. وقامت عدة دول في شمالي إفريقية لم يطل أمرها كثيرا كما قام في الأندلس، مثل دولة بني عبد الواد ويعرفون ببني زياد، قامت بالمغرب الأوسط؛ أي في بلاد الجزائر أو جزائر بني مزغنان، وذلك عند ضعف دولة الموحدين، وجعلوا قاعدتها تلمسان ودامت من سنة 633 إلى 923ه، ومثل دولة بني مرين في المغرب الأقصى من سنة 613-823ه، وهم من البربر كزناتة وبني عبد الواد، وقد تلقب بعض ملوكهم بأمير المؤمنين، وخلفتهم الدولة الوطاسية في المغرب، ولما ذاع صيت المستنصر
31
أحد أمراء الحفصيين بني أبي حفص في الآفاق أرسل إليه أمير مكة وأهل الأندلس بيعتهم بالخلافة سنة 657ه، ولقب من يومئذ بأمير المؤمنين، وكان ملك الحفصيين في تونس يدعي الخلافة ويلقب بألقاب الخلفاء، ويخاطب بأمير المؤمنين، والحفصيون نسبة إلى أبي حفص أحد العشرة أصحاب ابن تومرت، وهم بقايا الموحدين.
وأهم الدول التي ظهرت في المغرب وانتشر سلطانها في المشرق وأغصت الدولة العباسية بريقها الدولة الفاطمية، وقد هيأ لها العباسيون دعاية ممتدة النطاق للطعن في نسب مؤسسها، ومن المؤرخين كابن خلدون والمقريزي من صححه، ومنهم وهم الأكثر من زيفوه، والغالب أن أصل ملوكهم من شيعة الإسماعيلية في سلمية في الشام هبوا لتأسيس ملك، فما زالوا يتنقلون في ربوع إفريقية حتى قام أبو عبيد الله المهدي سنة 297ه، وتسمى بأمير المؤمنين وقتل أبا عبد الله الشيعي داعية ملكه، على نحو ما فعل المنصور العباسي فقتل أبا مسلم الخراساني مؤسس دولته.
وسميت هذه الدولة بالفاطمية نسبة لفاطمة بنت الرسول، ومن المؤرخين من يطلق عليها اسم العبيديين نسبة لأبي عبيد الله مؤسسها، وادعت الخلافة، ولقب ملوكها بأمراء المؤمنين واستولوا على القسم الأعظم من شمالي إفريقية. وبنى عبيد الله أول ملوكهم في إفريقية «القصور ورتب السياسة وأحكم التدبير»، وأمر أن يدعى له في المنابر وخطب الأعياد بمرسوم، يقال فيه بعد الصلاة على النبي وعلى أمير المؤمنين علي وفاطمة الزهراء والحسن والحسين، وعلى الأئمة من أولادهم: «اللهم صل على عبدك ووليك وخليفتك القائم بأمر عبادك في بلادك أبي محمد عبيد الله الإمام المهدي بالله أمير المؤمنين، كما صليت على آبائه خلفائك الراشدين المهديين، الذين قضوا بالحق وكانوا به يعدلون، اللهم وكما اصطفيته لولايتك واخترته لخلافتك، وجعلته لدينك عصمة وعمادا، ولبريتك موئلا وملاذا، فانصره على أعدائه المارقين، وافتح له مشارق الأرض ومغاربها كما وعدته، وأيده على العصاة الضالين، إنك أنت الحق المبين.» وكانت أوامر المعز «تنفذ من أقصى الشام والحجاز إلى السوس الأقصى.» ويقول ابن الخطيب: