وقول ابن خلدون لا يكاد يتخلف، ومسألة خلف الحصري وقاضيه من الشواذ، وكان هذا من هزل الدهر في الأندلس، أيام كان أهل كل إقليم يحاولون أن تكون لهم الغلبة بقاض لهم آثروه، أو قائد أحبوه؛ أو دعي عاونوه، ولقد قال ابن حزم: فضيحة لم يقع في الدهر مثلها: أربعة رجال في مسافة ثلاثة أيام في مثلها، يسمى كل واحد منهم بأمير المؤمنين، ويخطب لهم في زمن واحد، أحدهم في إشبيلية، والثاني بالجزيرة الخضراء، والثالث بمالقة، والرابع بسبتة، حتى إذا ضاقت الأرض بما رحبت على الأندلسيين جاءهم من بر العدوة يوسف بن تاشفين اللمتوني ملك المرابطين، فكان أول من دعا للخلافة العباسية على منابر الأندلس والمغرب، وتسمى بأمير المسلمين تأدبا مع الخليفة، وانتهى ملكه إلى مدينة أفراغه من ناحية شرق الأندلس، وإلى مدينة أشبونة على البحر المحيط من الغرب، وملك بعدوة المغرب من جزائر بني مزغنان إلى طنجة إلى آخر السوس الأقصى إلى جبال الذهب من بلاد السودان.
واختل ملك بني تاشفين بعد الخمسمائة لإهمال السلطان، واشتغاله بالعبادة،
24
ولاستيلاء النساء على الأمور «فصارت كل امرأة من أكابر لمتونة ونفوسة مشتملة على كل مفسد وشرير، وقاطع سبيل، وصاحب خمر وماخور.» وانقطعت الدعوة للعباسيين من منابر الأندلس والمغرب بقيام ابن تومرت من المصامدة في بلاد السوس، وفتح الموحدون بقيادة ملكهم عبد المؤمن بن علي الكومي البربري إفريقية سنة 528ه، ثم فتحوا الأندلس، وهو أول من تسمى في المغرب بأمير المؤمنين بعد عصر الأمويين، ونادى «في البلاد
25
التي ملكها بإخراج النصارى منها، وشرط لمن أسلم منهم بموضعه على أسباب ارتزاقه ما للمسلمين وعليه ما عليهم، ومن بقي على رأي أهل ملته، فإما أن يخرج قبل الأجل الذي أجله، وإما أن يكون بعد الأجل في حكم السلطان مستهلك النفس والمال.»
ومؤسس دولة الموحدين هو ابن تومرت، سمى نفسه المهدي، وادعى أنه هو المهدي المنتظر وكثر أتباعه، ورأى من بعض جموعه قوما خافهم، فادعى أن الله أعطاه نورا، يعرف به أهل الجنة من أهل النار، وجمع الناس إلى رأس جبل، وجعل يقول لكل من يخافه: هذا من أهل النار، فيلقى من رأس الشاهق ميتا، وكل من لا يخافه هذا من أهل الجنة، ويجعله عن يمينه، حتى قتل خلقا كثيرا واستقام أمره وأمن على نفسه، وقيل: إن عدة الذين قتلهم سبعون ألفا، وسمى عامة أصحابه الداخلين في طاعته «الموحدين»، ودامت هذه الدولة ثمانين سنة (462-542ه)، وكان ملوك الموحدين كملوك المرابطين يخاطبون بأمير المؤمنين، ويحرصون على هذه التسمية، حتى إن صلاح الدين يوسف صاحب مصر والشام لما أرسل إلى أبي يعقوب المنصور سلطان المغرب لعهده من
26
الموحدين وخاطبه بسيدنا، نقم عليه المنصور لتجافيه عن خطابه بأمير المؤمنين، وأسرها في نفسه، ولم يجبه إلى حاجته، وكانت حاجته طلب مدد أساطيله؛ لتتجول في البحر بين أساطيل الإفرنج، وتحول دون مرامهم بإمداد جيوش النصرانية في ثغور الشام.
دامت دولة الموحدين في الأندلس إلى أن قام بنو الأحمر، واستولوا على غرناطة، وبالقضاء على دولتهم انقضى ملك المسلمين من تلك الديار، أواخر القرن التاسع من الهجرة. وأول من استولى من بني الأحمر أو ملوك بني نصر أمير المسلمين أبو عبد الله محمد بن يوسف الخزرجي الأنصاري،
27
تظاهر لأول أمره بطاعة الملوك بالعدوة وإفريقية فخطب لهم زمنا يسيرا، ودعا للمستنصر العباسي ببغداد، حاذيا حذو سميه ابن هود، للهج العامة في وقته بتقلد تلك الدعوة إلى أن نزع عن ذلك كله.
وكان في تلمسان وإفريقية وفاس ملوك مختلفون في تلك الحقة، واعتاد المغرب منذ القرن الثاني أن يخلع الطاعة فيه للخلافة العباسية، قائد من القواد ويؤسس ملكا، وأول ما كان من ذلك دولة الخوارج الأباضية في أيام المنصور العباسي، وتغلبها على مملكة إفريقية، وكان يسلم بالخلافة على ميمون بن عبد الرحمن بن رستم من فرس العراق