تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي أوائل المائة الخامسة انقرضت خلافة الأمويين في الأندلس، فتقاسم ملوك الطوائف الولايات، وذهب ذاك الوقار الذي يتمتع به في الأغلب من تسلسل فيهم الملك والإمارة كابرا عن كابر، وما انقطع من الملوك الخالفين مع هذا ظهور رجال تحنكوا بالسياسة وإدارة الملك. قال ابن سعيد مؤرخ الأندلس:

20

وكان الضابط فيما يقال في شأن أهل الأندلس في السلطان أنهم إذا وجدوا فارسا يبرع الفرسان، أو جوادا يبرع الأجواد، تهافتوا في نصرته ونصبوه ملكا من غير تدبر في عاقبة الأمر، وبعد أن يكون الملك في مملكة قد توورثت وتدوولت، يكون في تلك المملكة قائد من قوادها، قد شهرت عنه وقائع في العدو، أو ظهر منه كرم نفس للأجناد ومراعاة، قدموه ملكا في حصن من الحصون، ورفضوا عيالهم وأولادهم، إن كان لهم ذلك بكرسي الملك، ولم يزالوا في جهاد وإتلاف نفس حتى يظفر صاحبهم بطلبه. قال: وأهل المشرق أصوب رأيا من الأندلسيين في مراعاة نظام الملك، والمحافظة على نصابه، لئلا يدخل الخلل الذي يقضي باختلاف القواعد وفساد التربية وحل الأوضاع.

وذكر صاحب المعجب أن المستكفي بالله محمد بن عبد الرحمن من ملوك الطوائف «كان في غاية السخف وركاكة العقل وسوء التدبير، وزر له رجل حائك يعرف بأحمد بن خالد، وكان هو المدبر لأمره والمدير لدولته، فقل في دولة يديرها حائك.» وتفرق أهل الأندلس فرقا،

21

وتغلب في كل جهة متغلب للسبب الذي علل له ابن سعيد، وتقسموا ألقاب الخلافة، فمنهم من تسمى بالمعتضد، وبعضهم بالمأمون، وآخر بالمستعين والمقتدر والمعتصم والمعتمد والموفق والمتوكل، وفي ذلك يقول ابن رشيق:

مما يزهدني في أرض أندلس

ألقاب مقتدر فيها ومعتضد

ألقاب مملكة في غير موضعها

كالهر يحكي انتفاخا صولة الأسد

لما ولي علي بن حمود الناصر بالأندلس تسمى بالخلافة (سنة 408ه) وبويع لإدريس بن علي بالخلافة في مالقة (431ه)، ولما هلك لم يتسم ابنه بالخلافة، ثم بويع للحسن بن يحيى بالخلافة ولقب بالمستنصر، وهكذا صار خليفة لمالقة وسبتة وطنجة، ثم حدث في الأندلس من دعوى الملك شيء لا يكاد يسبق له نظير، وهو أن رجلا من العامة، لا عصبية له ولا سابقة، ادعى أنه من نسل بني أمية بعد انقراض دولتهم في الأندلس، وخطب له على المنابر عشرين سنة، وهو كاذب في دعواه. قال ابن حزم:

22

أخلوقة لم يقع في الدهر مثلها، فإنه ظهر رجل يقال له خلف الحصري بعد عشرين سنة من موت هشام بن عبد الملك المنعوت بالمؤيد، وادعى أنه هشام فبويع وخطب له على جميع منابر الأندلس في أوقات شتى، وسفك الدماء، وتصادمت الجيوش في أمره، وأقام المدعي أنه هشام نيفا وعشرين سنة، والقاضي محمد بن إسماعيل في رتبة الوزير بين يديه والأمر إليه، ولم يزل الأمر كذلك إلى أن توفي المدعو هشاما، فاستبد القاضي محمد بالأمر بعده، وكان من أهل العلم والأدب والمعرفة التامة بتدبير الدول، ولم يزل ملكا مستقلا إلى أن توفي في سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة. ا.ه.

ذاك ما تم في الأندلس من تغلب خلف الحصري وقاضيه، تم لهما الملك بالغلبة وبعصبية ملفقة، وليس الملك - كما قال ابن خلدون

23 - لكل عصبية، وإنما الملك على التحقيق لمن يستعبد الرعية ويجبي الأموال، ويبعث البعوث، ويحمي الثغور، ولا تكون فوق يده يد قاهرة، ومن قصرت به عصبيته عن بعضها مثل حماية الثغور، أو جباية الأموال، أو بعث البعوث، فهو ملك ناقص لم تتم حقيقته، كما وقع لكثير من ملوك البربر في دولة الآغالبة في القيروان، ولملوك العجم صدر الدولة العباسية، ومن قصرت عصبيته أيضا عن الاستعلاء على جميع العصبيات، والضرب على سائر الأيدي، وكان فوقه حكم غيره، فهو أيضا ملك ناقص لم تتم حقيقته، وهؤلاء مثل أمراء النواحي ورؤساء الجهات الذين تجمعهم دولة واحدة، وكثيرا ما يوجد هذا في الدولة المتسعة النطاق مثل صنهاجة مع العبيديين، وزناتة مع الأمويين تارة، والعبيديين أخرى، ومثل ملوك العجم في دولة بني العباس.

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ٣٥٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ٣٥٩