تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكأن الظاهر بيبرس بإرجاعه الخلافة العباسية حاول أن يصلح ما ارتكبه من القضاء على آخر فرد من أبناء صلاح الدين. وظلت الشام ومصر والحرمان بعد هذا العهد في أيدي المماليك يتعاورون الحكم عليها، زهاء قرنين ونصف قرن. وفي أيام محمد بن قلاوون امتد حكم المماليك من مصر والشام إلى إفريقية وخطب لهم في تونس وطرابلس وبرقة ودام حكمهم حتى جاءت الدولة العثمانية، فاستولت على الشام ومصر وبلاد العرب (922-923ه).

ودولة المماليك البرجية والبحرية، كالدولة الفاطمية قبلها، كان في ملوكها الصالح والطالح، وربما كان الصالح فيها أكثر من أمثالهم في دولة العبيديين الفاطمية، وقد عمرت البلاد في أيامهم عمرانا يستغرب تحقيق مثله على خلل بين يطرأ عليها في الفترات، بتبدل الولاة ونشوب الفتن الأهلية من أجل الملك، لكن نوابغ من ملوكهم كانوا يتولون الأمر أحيانا فيسدون كل خلل، ويأخذون بأيدي أهل البلاد إلى الترقي، ويلقون الهيبة في صدور المجاورين من الشرقيين والغربيين من الإفرنج.

دول الغرب

من أعظم ما فت في عضد الخلافة العباسية قيام دولة الأمويين في الأندلس، ثم إعلانهم الخلافة، وكان عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان الأموي لما انتهى به المطاف إلى شمالي إفريقية، وأعانه اليمانيون ففتح الأندلس، وأنشأ بعد ذهاب ملك آبائه في الشرق (139ه) ملكا ضخما جعل قرطبة عاصمته، أقام دون السنة بعد فتح قرطبة

17

يدعو لأبي جعفر المنصور إلى أن أفرد نفسه بالدعاء، ولم يتعد التلقب بالأمير، وكذلك سلك الأمراء من ولده سنته في ذلك، وتسمى عبد الرحمن بن محمد الناصر بالخلافة بعد سبع وعشرين سنة من سلطانه بالخليفة، ودعي بأمير المؤمنين، وذلك لما استفحل أمره، واستبان له ضعف ولد العباس، وانتشار سلطانهم بالمشرق، وكتب إلى العمال كتابا جاء فيه «وقد رأينا أن تكون الدعوة لنا بأمير المؤمنين، وخروج الكتب عنا وورودها علينا بذلك؛ إذ كل مدعو بهذا الاسم غيرنا منتحل له ودخيل فيه، ومتسم بما لا يستحق، وعلمنا أن التمادي في ترك الواجب لنا من ذلك حق أضعناه، واسم ثابت أسقطناه.» وعبد الرحمن الثالث هذا هو الذي لم يتردد لسلامة ملكه في قتل ابنه عبد الله لاتهامه بمؤامرة على الملك.

ومما مكن لعبد الرحمن الناصر كونه وضع حدا للحروب الأهلية

18

بين العرب والإسبان والبربر، وأمن الحدود، وجعل قوة من أسطوله استولى بها على شمالي إفريقية، وعبد الرحمن الثاني هو الذي أقام أبهة الملك ورتب الرسوم، وكان يشبه الوليد بن عبد الملك في أبهته. قال ابن عذاري: وهو أول من جرى على سنن الخلفاء في الزينة والشكل وترتيب الخدمة، وكسا الخلافة أبهة الجلالة، فشيد القصور وجلب إليها المياه وبنى الرصيف وعمل عليه السقائف، وبنى المساجد الجوامع بالأندلس، وعمل السقاية على الرصيف، وأحدث الطراز، واستنبط عملها، واتخذ السكة بقرطبة وفخم ملكه.

تعاقب على الأندلس منذ فتحت أيام الأمويين عشرون واليا كانوا أمراءها وولاة الحرب فيها، يلونها من قبل بني أمية في المشرق، أو من قبل من يقيمونه بالقيروان أو بمصر، والفتن فيها قائمة لبعد الأندلس عن مقر الخلافة في دمشق، حتى إذا فتحها عبد الرحمن الداخل فتحا ثانيا، وصفت له ولأولاده من بعده، ساقوا الإمارة، ثم الإمامة أو الخلافة في أبنائهم على الغالب وترسموا خطا أجدادهم في المشرق حتى إن عبد الرحمن الأموي عهد بالإمارة إلى ابنه هشام لما كان يتوسم فيه من الشهامة والاضطلاع بالأمر، وترك ابنه الأكبر سليمان. ومن ملوك الأمويين في الأندلس من عرفوا بالسياسة والدهاء والتحلي بفضائل كبار الخلفاء من آبائهم في القرن الأول وثلث الثاني.

وما انقرضت دولة الأمويين في الأندلس

19

إلا لما تواترت الفتن الأهلية وعجزوا عن أن يأخذوا من أعنة جيوشهم المؤلفة من صعاليك مستأجرة، وقدم المنصور أبو عامر رجال البرابرة وزناته في الأندلس، وأخر رجال العرب وأسقطهم عن مراتبهم، فتم له ما أراد من الاستقلال بالملك، وسمي بالحاجب المنصور، وأمر بالدعاء له على المنابر عقب الدعاء للخليفة، ولم يبق لهشام المؤيد من رسوم الخلافة أكثر من الدعاء على المنابر، وكتب اسمه في السكة والطراز، وأغفل ديوانه مما سوى ذلك. وكان العرب الذين نزلوا الأندلس لأول الفتح من قبائل شتى وفيهم اليمانية والقيسية وفيهم بنو كلاب ومحارب وهوازن وغطفان والأزد وعقيل وقشير والجرمش وغيرهم، ومنهم كانت جمهرة الجيش العربي هناك، فأبدلوا بعد حين بصقالبة وبربر وغيرهم.

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ٣٥٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ٣٥٨