هذه جملة حال الممالك التي نبعت من أرض المملكة العباسية، وبذلك تضاءلت خلافتهم في القاصية والدانية، فلم يبق أمام خلفائها إلا خلع الخلع على الملوك المحدثين، واختراع الألقاب لهم يلقبونهم بها، لقبوا محمود بن سبكتكين الغزنوي بيمين الدولة وأمين الملة،
14
ولقب المقتدي ملك المرابطين في الغرب الأقصى بأمير المسلمين، وأخذ نور الدين عمر مؤسس الدولة الرسولية في اليمن لقب سلطان، ومثله كان من ملوك دهلي، وكانوا ينقشون على الدنانير أسماء العباسيين، وظلوا ينقشونها بعد ثلاثين سنة من مهلك المستعصم آخر خلفاء بني العباس في بغداد.
15
كان عمل هذه الدول داخليا محليا، وقل أن كانت تتصل بدول غير دول الإسلام، اللهم إلا إذا استثنينا الدولة الحمدانية في الشام والجزيرة، وكانت تحتك بالروم على الدوام، والدولتين النورية والصلاحية ومن بعدها وقبلها من الدول التي خفق لها علم على أرجاء البلاد المتاخمة كالسلجوقيين؛ فإن علاقات هذه الدول بالإفرنج كانت وافرة، وكل دولة تقف موقف الخائف المترقب من جارتها.
كانت علائق الدول الإسلامية بالدول النصرانية موفقة إذا كان القائم بالأمر رجلا في الجملة، يعمل لملكه لا لشيء آخر من ضروب هواه، فقد رأينا نور الدين وصلاح الدين ومن جاء بعدهما يأسرون ملوكا وأمراء من الصليبيين، ويفتدونهم بأموال عظيمة يستعينون بها على الجهاد أو على أمر شريف آخر من أنواع القربات، أسر الملك الأوحد (607ه) ابن أخي صلاح الدين ملك الكرج ففدى نفسه بمائة ألف دينار ، واشترط عليه أن يطلق أسرى المسلمين، وأن يلزم الصلح ثلاثين سنة، وأن يزوجه ابنته بشرط ألا تفارق دينها.
قلنا: إن الدولة الحمدانية كانت من جملة الدول التي تم لها احتكاك شديد بالروم - وكانت هذه الدولة على صغرها بحيث لم تكن تملك غير القسم الشمالي من بلاد الشام والثغور الشامية والجزرية وديار بكر وديار مضر - من الدول التي يحسب الغريب حسابها ويدين رأسها سيف الدولة الشيعي (356ه) بالطاعة للعباسيين، غزا الروم أربعين غزوة له وعليه، وجاء الروم في أيامه ففتحوا بلادا من بلاده وخربوا عامرها، وكان أخلافه أضعف منه نفسا فهادنوا الروم، وأدوا إليهم الجزية مدة، ومنهم من استنجد بهم وذل أمامهم ذلا ليس بعده ذل، ودام هذا التخبط حتى بيض السلجوقيون وجه الإسلام بأعمالهم الحربية، وقد دامت دولة سيف الدولة أو الدولة الحمدانية سبعين سنة.
على هذا المنهج كانت تسير الدولة العباسية، وهكذا حال الدول التي اقتطعت من الجسم العباسي، والعباسيون راضون بهذا الذل، حتى جاء هولاكو التتري واستولى على بغداد وقتل الخليفة، فانقرضت الخلافة العباسية، وأقامت الدنيا ثلاث سنين ونصف سنة بلا خليفة.
16
وفي سنة 659ه حضر إلى مصر أبو القاسم أحمد بن أمير المؤمنين الظاهر بالله العباسي، وهو عم الخليفة وأخو المستنصر، وكان معتقلا ثم أطلق، فخرج الملك الظاهر بيبرس البندقداري للقائه، وخرج الوزراء العلماء، واليهود بتوراتهم والنصارى بإنجيلهم، وأريد العباسي على إثبات نسبه فأثبته، وبايعه الظاهر بيبرس وخطب له على المنابر، وضرب اسمه على السكة، وكتبت بيعته إلى الآفاق. وبعد أيام ركب الخليفة والسلطان والقاضي والوزير والأمراء إلى خيمة عظيمة، فألبس الخليفة السلطان بيده خلعة سوداء وعمامة سوداء، وجعل له في عنقه طوق من ذهب، وقيد من ذهب في رجليه، وفوض الأمور إليه «في البلاد الإسلامية وما سيفتحه من بلاد الكفر والبلاد الشامية والديار بكرية والحجازية واليمنية والفراتية وما يتجدد من الفتوحات.» فأحيا بيبرس الخلافة العباسية بعد موتها، على ألا يكون للخليفة عمل غير المراسم، لا ينصب ولا يعزل، ولا يعقد الصلح ولا يعلن الحرب، ولا يجبي مالا، ولا يصرفه في وجوهه، ولا يعمل شيئا يدل على سلطانه.