ومن أهم الدول التي استولت على القسم المهم من بلاد الخلافة العباسية دولة بني بويه من الديلم، وكانوا شيعة أراد مؤسس دولتهم أن يتبسط في نشر التشيع في بغداد والولايات فخوفوه العاقبة فأحجم، وقد امتد حكم البويهيين من بلاد فارس إلى العراق من سنة 321 إلى 448ه، وكان فيهم رجال من أجل الملوك علما وسياسة. وجاء بعدهم السلجوقيون الأتراك وهم من أهل السنة، فاستولوا بعد بني بويه على خراسان، وامتد حكمهم إلى العراق والشام من سنة 431ه، وخطب لملكهم العظيم ملكشاه (485ه) من حدود الصين إلى آخر الشام، ومن أقاصي بلاد الإسلام في الشمال إلى آخر بلاد اليمن، وخطب لسنجر بن ملكشاه بن ألب أرسلان بالعراقين وأذربيجان وأران وإرمينية والشام والموصل وديار بكر وربيعة والحرمين، ومؤسس هذه الدولة ألب أرسلان أسر أرمانيوس طاغية الروم (463ه)، وكان في مائتي ألف من الروم والفرنج والعرب المتنصرة والروس والكرج في أرجاء خلاط بإرمينية ففدى نفسه بألف ألف وخمسمائة ألف دينار، وأن يطلق كل أسير في مملكته، وهادنه ألب أرسلان خمسين سنة، وكان ملكشاه يأخذ إتاوة من ملك الروم في القسطنطينية، وامتد حكم بيته إلى أرض الروم - أي آسيا الصغرى - وكانت دولتهم عادلة تنفذ شرع الإسلام.
والسلجوقيون هم الذين تلقوا بصدورهم الصدمة الأولى للحروب الصليبية، وكانت الشام والجزيرة وآسيا الصغرى موزعة بين أمراء منهم، فأخذوا يطاولون الأعداء ويصاولونهم، حتى فتح الأتابك زنكي بعض بلاد الشام، وكان من سياسته أن «يراسل فرنج الشام ويحذرهم ملك الروم ويعلمهم أنه إن ملك بالشام حصنا واحدا، أخذ البلاد التي بأيديهم منهم، وكان يراسل ملك الروم ويتهدده ويوهمه أن الفرنج معه، فاستشعر كل واحد من الفرنج والروم من صاحبه.»
وجاء ابنه محمود بن زنكي فجمع شمل البلاد الشامية والجزرية، ثم ضم إليها مصر، وكان الملوك
12
قبله جاهلية حتى جاءت دولته فوقف عند أوامر الشرع ونواهيه، وكانت سيرته أشرف سيرة، وسياسته أنجع سياسة. ثم قامت دولة صلاح الدين يوسف بن أيوب تتولى من دفع عادية الصليبيين ما تولته الدولة النورية ودولة الترك السلجوقيين من قبل، ثم دولة الترك المماليك من بعد، وقد بنت الدولة الصلاحية على أساس الدولة النورية وعملت برجالها.
كان من المعقول أن تعاون بلاد المسلمين كلها من أقصى آسيا إلى أقصى إفريقية لدفع صائل الصليبيين عن بلاد المسلمين، لكن الأمراء والملوك لم يكونوا يهتمون بغير شهواتهم وراحتهم في ملكهم، فقدر لهذه الدول الصغيرة برقعة ممالكها الكبيرة بعقول القائمين بسياستها، أن تتولى سياسة الإسلام الخارجية، وتقضي على خطط واسعة وضعها البابا في رومية، وقد جند جيوشا جرارة من كل شعوب أوروبا،
13
ما خلا الإسبانيين والبرتقاليين لشغلهم بحرب المسلمين في الأندلس، وما خلا الروس؛ لأنهم ليسوا على مذهب البابا فلا سلطان له عليهم.
ولعل ملوك الإسلام لم يكونوا يومئذ يقدرون مدى مضار الحروب الصليبية على الإسلام إذا ظفر المهاجمون من الغربيين. ولقد كتب التبريز في السياسة والحرب للدولة السلجوقية، وفي مقدمتها دولة نور الدين، ثم دولة بني أيوب، صلاح الدين والعادل والكامل والظاهر والأشرف وأمثالهم، فقامت كل واحدة خير قيام بواجب دولة كبيرة على قلة النصير وضعف المادة.
وبطلت مدة قرنين كاملين غزوات المسلمين على الروم وبالعكس، وانحصرت جهود مصر والشام والجزيرة وإرمينية وآسيا الصغرى في معالجة مشكلة دولية كانت أعظم المشاكل الخارجية التي أصيب بها الإسلام، منذ انبعث من جزيرة العرب، وكان ملوك الصليبيين يرهبون ملوك المسلمين، ويدهشون لأعمالهم في السلم والحرب؛ ذلك لأن الملوك القائمين برد العدو في تلك الأعصار كان رأيهم في الملك يخالف رأي الملوك الآخرين ممن لا شأن لهم إلا أن يقبعوا في أرضهم فقط.