تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن غريب ما وقع في هذا القطر أن ملوك زبيد كانوا يخطبون للعباسيين، والصليحيين يخطبون للعبديين إلى أواخر المائة الخامسة، وبقي أمر اليمن في تقلقل، الجبال لرجل والسهول لآخر، وعدن لغيرهما، حتى جاء عبد النبي بن مهدي الخارجي من زبيد واستولى على اليمن، وبها يومئذ خمس وعشرون دولة، اكتسحها كلها، وأظهر الصليحيون الدعوة العبيدية أو الفاطمية وملكوا اليمن كله، ونزل الصليحي مؤسس دولتهم صنعاء وأسكن عنده ملوك اليمن الذين غلب عليهم، وهزم بني مطرف ملوك عثر وتهامة، ثم استولى بنو أبي البركات على بني المظفر، ودخل شمس الدولة تورانشاه بن أيوب أخو صلاح الدين سنة 566ه، واستولى على الدولة التي كانت باليمن، ونزل زبيد واتخذها كرسيا لمملكته، ثم انتقل إلى تعز، وكانت عاصمة الصليحي حصن ذي جبلة منذ سنة 458ه، ونزلها وبقيت كرسيا لملكه وبنيه ومواليهم بني رسول، وكان السبب في فتح صلاح الدين اليمن أنه كان

8 «أهله خائفين من نور الدين فاتفق رأيهم على تحصيل مملكة غير مصر، بحيث إن قصدهم نور الدين قاتلوه، فإن هزمهم التجئوا إلى تلك المملكة.»

والدولة الرسولية هي دولة عمر بن علي بن رسول، وكان والده علي بن رسول استادار الملك المسعود بن السلطان الملك الكامل، استقر أولا نائبا لبني أيوب فما إن هلك حتى استولى ابنه عمر على ما كان عليه أبوه، ولقب بالملك المنصور، ودام الملك في بنيه مدة طويلة، على اختلاف كان بين أهل هذا البيت على الملك، واليمن بطبيعة أرضها مستعدة لقيام الدول وإذا قامت فيها يدوم أمرها، فقد سمت للخلافة نفس أحمد بن الزبير الغساني - المعروف بالرشيد

9

الأسواني من أهل صعيد مصر، وكان قاضي اليمن للفاطميين ويعد من كبار العلماء - فأجابه قوم إليها ونقشت له السكة (563ه)، وأعظم من هذا أن معز الدين بن سيف الإسلام طغتكين ملك اليمن (594ه) ادعى الألوهية نصف نهار، ثم رجع عن ذلك وادعى الخلافة ودعا لنفسه وقطع الدعاء من الخطبة لبني العباس، وأكره من كان في مملكته من أهل الذمة على الإسلام.

وكانت الحجاز تتقلب في أيدي بيوت يدعون الشرف ويدينون بالطاعة لصاحب القوة من العباسيين أو الفاطميين، ومنهم

10

بنو الحسن، ومنهم محمد بن سليمان خلع طاعة العباسيين وخطب لنفسه بالإمامة في سنة إحدى وثلاثمائة، ثم اعترضه القرامطة فخطبوا لعبيد الله المهدي صاحب إفريقية وقلعوا الحجر الأسود وباب الكعبة وحملوهما إلى الأحساء، ثم صولحوا وأعيدت خطبة العباسيين، ثم خطب لبني بويه مع الخليفة العباسي، ثم أعيدت الخطبة للفاطميين متقطعة، فكان الأمراء إذا قطعوا خطبتهم قطعوا عن الحرمين الميرة فيعودون إلى الخطبة باسمهم، ثم خطب للسلجوقيين وتولى الإمارة الحجازية بنو قتادة وغيرهم، والحالة لا تسر صديقا في أكثر الأدوار.

وقامت الدولة السامانية في بخارى وما إليها من سنة 261ه إلى سنة 389ه، واشتهرت في معظم أدوارها بالعدل وحسن السياسة. ثم خلفتها دولة محمود بن سبكتكين في خراسان وخوارزم من سنة 366ه إلى أن انقرضت سنة 578ه، واتخذت غزنة عاصمتها، وكانت من الدول التي لا بأس بسياستها تتصل مع العباسيين بالسكة والخطبة، ويعترف خليفة بني العباس بسلطانها، وكان في المنصورة من بلاد السند في القرن الرابع سلطان من قريش يخطب للعباسي، والملتان قرب غزنة يخطبون للفاطمي، ولا يحلون ولا يعقدون إلا بأمره، وأبدا رسلهم وهداياهم كانت تذهب إلى مصر، وكان الخليفة من الخوارج يسكن بناحية وردان مما يلي سجستان ومكران، وهي

11

بلدهم ودارهم في القرن الرابع، ومع أن أهلها من المنحرفين عن علي بن أبي طالب «ويظهرون مذهبهم ولا يتحاشون منه ويفتخرون به عند المعاملة، وليس في الدنيا سوقة أصح منهم معاملة ولا أقل منهم مخاتلة.» ومع أن عليا لعن على منابر الشرق والغرب لم يلعن على منبرها إلا مرة واحدة، ومن الغريب أنهم امتنعوا على بني أمية حتى زادوا في عهدهم وألا يلعن على منبرهم أحد.

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ٣٥٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ٣٥٥