تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

1

أفتى بعض الأئمة أن من أقام نفسه سلطانا قهرا بالسيف من غير مبايعة من الخليفة يكون خارجيا، ولا يجوز توليته النواب والقضاة، وإن فعل شيئا من ذلك كان جميع حكمه باطلا، وعقد الأنكحة باطلا.» وكان العباسيون يحرصون بالطبع على هذه القاعدة؛ لأن بها بقاء القليل من سلطانهم.

تعد حكومة عمان من أول الحكومات التي حاولت الانسلاخ عن العباسيين ، وكان أهلها من الخوارج في القرن الثاني، ولإمامهم

2

وزراء وأرباب دولة ولهم خليفة، ثم دعوا أمراءهم بالملوك، ويقول البلاذري:

3

إنه كان للخوارج سلطان في عمان منذ عهد الرشيد، وإن عامله عيسى بن جعفر حارب الشراة

4

فقتلوه، لما خرج إليها بأهل البصرة، وجعلوا يفجرون بالنساء ويظهرون المعازف ويسلبون الناس، فامتنع الخوارج على الخليفة فلم يعطوه طاعة دولتهم، وولوا أمرهم رجلا منهم، وكانوا يسمون سلطان العباسيين سلطان الجور، وظلت عمان مستقلة بأهلها حتى فتحها المعتضد العباسي، وأقام بها الخطبة له، وانحاز الشراة إلى ناحية لهم تعرف بنزوة وكان فيها إمامهم وبقية ما لهم وجماعتهم

5

من ذاك العهد.

روى المقدسي

6

أن ولايات بلاد العرب كانت في القرن الرابع متقطعة، أما الحجاز فهو أبدا لصاحب مصر لأجل الميرة، واليمن لآل زياد، ولابن طرف عثر، وعلى صنعاء أمير، غير أن ابن زياد يحمل إليه أموالا ليخطب له، وربما أخرجت عدن من أيديهم، وآل قحطان في الجبال، وهم أقدم ملوك اليمن، والعلوية على صعدة يخطبون لآل زياد وهم أعدل الناس، وعمان للديلم، وهجر للقرامطة، وعلى الأحقاف أمير منهم.

أول من استقل بملك مصر أحمد بن طولون وأولاده، ساعده على استقلاله جيش كان جنده بأمر الخليفة لقتال أحد الخوارج بالشام، فلما استؤصلت الفتنة، وأمنت الغائلة، لم يسرح الجيش، فكان به استيلاؤه على مصر والشام وما وراءهما، وأطاع الناس ابن طولون؛ لأنه كان أعدل من كثير من الخلفاء في عهده، يعمر بلاده ويتفقد رعاياه «وكان مع

7

ذلك طائش السيف. قال القضاعي: يقال إنه أحصى من قتله ابن طولون صبرا أو مات في حبسه، فكان عددهم ثمانية عشر ألفا وخلف عشرة آلاف ألف دينار.» وعد استيلاء ابن طولون على الأمر في مصر خروجا على الخلافة العباسية، وإن كان يخطب لها بادئ بدء، ويبعث إليها ما تيسر من الخراج، ولم يتأت الخلاص من دولته إلا لما قوي العباسيون سنة 292ه فقتلوا جميع آل طولون. وخلفتهم الدولة الإخشيدية، وهي كالدولة الطولونية، دولة أعجمية، ولم يطل أمرها كثيرا حتى حكم مصر عبد زنجي اسمه كافور، إلى أن سقطت في أيدي الفاطميين.

وكثرت الدول في المشرق، وكلها خرجت عن طاعة الدولة العباسية بالفعل، كدولة الحسين بن زيد العلوي بطبرستان (240ه)، ومن الدول ما أبقى للعباسيين السكة والخطبة والطاعة الظاهرة كدولة بني زياد في اليمن، وكان مؤسسها محمد بن زياد عاملا من عمال المأمون أرسله للقضاء على الأعراب فأطفأ نائرتهم، واستقرت قدمه وقدم أعقابه في ذاك القطر إلى سنة 407ه، فالزياديون استولوا على اليمن أجمع، ودخلت في طاعتهم حضرموت والشحر وديار كندة، وصار ابن زياد في مرتبة التبابعة، وكان في صنعاء بنو جعفر من حمير بقية الملوك التبابعة مستبدين بها، مقيمين بالدعوة العباسية، ولما بلغ عاملها أبا الجيش إسحاق بن إبراهيم قتل المتوكل وخلع المستعين، واستبداد الموالي على الخلفاء، ركب بالمظلة شأن سلاطين العرب المستبدين، وفي أيامه خرج في اليمن يحيى بن الحسين بن القاسم الرسي إبراهيم بن طباطبا، بدعوة الزيدية وقد جاء بها من السند، وكان جده القاسم قد فر إليها بعد خروج أخيه محمد مع أبي السرايا فلحق القاسم بالسند وأعقب بها الحسين، ثم ابنه يحيى باليمن سنة 288ه، ونزل صعدة، وكان شيعته يسمونه بالإمام، ولقب يحيى هذا بالهادي إلى الحق، والزيدية ما زالوا إلى اليوم أصحاب اليمن على كثرة ما تعاورها من الدول، وكانوا إذا قوي أعداؤهم عليهم اعتصموا في معاقلهم وجبالهم، فإذا نفس خناقهم امتد سلطانهم إلى السهول والساحل، ويلقب سلطانهم بأمير المؤمنين وبالإمام.

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ٣٥٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ٣٥٤