ويرى لبون أيضا أن من جملة العوامل في انحطاط دولة العرب اختلاف العناصر الخاضعة لهم، وقد ظهر تأثير هذا العامل الأخير من طريقتين مختلفتين كلاهما ضار، ونشأ من اختلاط عناصر مختلفة تمازج، ثم تنافس بين شعوب متباينة كل التباين، وكان من جهة أخرى اختلاط كثير في الدم لم يلبث أن كان منه تغير دم الفاتحين، ولطالما كان هذا التمازج بين شعوب مختلفة في مملكة واحدة من عوامل الانحلال الفعالة، ويعلمنا التاريخ أن من المتعذر استبقاء عناصر مختلفة في يد واحدة إلا إذا روعي في ذلك شرطان أساسيان، أحدهما أن تكون سلطة الفاتح قوية إلى الغاية بحيث يوقن كل إنسان أن كل مقاومة باطلة، والثاني ألا يختلط الغالب بالمغلوب ولا يفنى فيه، وهذا الشرط الثاني لم يحققه العرب بتاتا وكذلك كان شأن الرومان ... ومن المتعذر حياة شعوب منوعة الأصول بقانون واحد، إذا تباينوا في المصالح والأجناس، وقد لا يتأتى إسلاس قيادهم إلا بضغط شديد، وما قامت العرب بمثل هذا الضغط مع شتى العناصر التي خضعت لهم؛ لأن الشعوب المغلوبة قبلت الدين والأوضاع التي حملها العرب على غاية من السهولة. وهكذا كان قانون القرآن، وما أراد الفاتحون أن يناقضوه، فألف الغالبون والمغلوبون لأول الأمر شعبا واحدا، كانت معتقداته وعواطفه ومصالحه مشتركة، وما دام سلطان العرب من القوة بحيث يحترم في كل مكان، كان الاتفاق تاما في جميع أجزاء الدولة، ولئن سكنت المنافسات بين هذه الشعوب المختلفة فما خمدت كل الخمود، وبدت تظهر عادات الاختلاف المتأصلة في العرب، وعادت فكرة الأحزاب في جميع البلاد الإسلامية فأخذت تتناحر وتتقاتل.
وقال أيضا: قد ينبعث النجاح من الأخلاق والذكاء في زمن، ويكونان أداة للإخفاق في زمن آخر، عرفنا كيف كان ميل العرب للحرب والشقاق بادئ بدء، وكيف كان هذا الخلق من دواعي ارتقائهم في عصر فتوحهم، وقد أصبح مضرا لهم لما تم الفتح، ولم يبق أمامهم عدو يكتسحونه. وعاد فتجلى طول اعتيادهم الانقسام، وكان منه تمزيق ملكهم وانتهى بسقوطه. أضاعوا باختلافاتهم الداخلية إسبانيا وصقلية، وكان من تنافسهم الدائم أن قوي النصارى على طردهم، وقد يكون من أوضاعهم السياسية الاجتماعية عوامل في نجاحهم السريع، ودوافع إلى انحطاطهم المريع، وما استطاع العرب أن يفتحوا العالم إلا يوم خضعوا لقانون مقرر ثقفوه من الدين الجديد الذي جاءهم به محمد. قال: وعرف المسلمون في عصور الخلفاء الزاهرة في بغداد وقرطبة أن يوفقوا بين الشريعة وحاجة الشعوب التي دانت بها، وصعب إدخال تعديل في الأوضاع السياسية في الإسلام، ومن أحكامه أن يكون على رأس المملكة ملك يجمع في يديه جميع السلطات العسكرية والدينية والمدنية، وبهذا فقط تيسر قيام دولة عظمى، وربما كان من هذه الأوضاع عامل من عوامل خراب المملكة، فقد تكون الدول الملكية الكبرى التي تجمع عامة السلطات في يد واحدة من التماسك بحيث لا تقاوم في فتوحها، وقل أن يكتب لها النجاح إلا إذا كان على رأسها أبدا رجال ممتازون، فإذا خلت البلاد منهم يتداعى كل شيء فيها. ا.ه.
| السياسة في الشرق والغرب
دول الشرق
ما نزع نازع أيام الأمويين إلى دعوى الخلافة أو الملك إلا ضرب ضربة قاسية ردته أدراجه، فكانت رقعة ممالكهم مصونة وتزيد اتساعا على الزمن، وقلما قام قائم على العباسيين إلا وتم له ما أراد من اقتطاع جانب من الملك، وكانت دولة العباسيين أبدا سائرة إلى الاضمحلال منذ القرن الثالث.
وقد يحتال النازع إلى اقتطاع جزء من الملك العباسي، لأخذ تولية من الخليفة بالبلاد التي طمع فيها، وربما كتب له الخليفة من تلقاء نفسه عهدا يربطه به ربطا صوريا، قانعا منه بهدية سنوية أو بإتاوة يجبي الخارج من كورة صغيرة من الكور التي استصفاها أكثر منها. وعلى هذا كان العباسيون أيام ضعفهم يرضون من المتغلب بالمحافظة على الظواهر، ويعدونها طاعة لمن يبعث لهم هدية ويخطب باسمهم ويجبي الخراج لنفسه، وكان الاعتقاد السائد يومئذ أن الخارج على الخلافة إذا لم يبايعه الخليفة لا يجوز أن يطلق عليه لفظ سلطان «وقد