تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن سادة العرب بفتحهم الشرق والغرب، لم يتخلوا عن طبيعتهم الجامحة التي تقضي على النظام، وكان من غرائزهم المتأصلة في جوانحهم ألا ترضى بإقامة حكومة منظمة، وكان من القوة للخلفاء أن يختاروا عمالهم وجندهم من فريق آخر، يؤثرون الاعتصام بالعرب أو الركون إلى غيرهم، أي من العناصر الوطنية من فرس وبربر وقبط وإسبان، وما خلت هذه السياسة من أخطار، وما عرف مدى ضرر هذه الرعاية للغريب؛ ذلك لأنها كانت مدعاة لتيقظ الفكرة الوطنية في البلاد المغلوبة على أمرها، ومن شأن القوميين أن يعادوا وحدة المملكة، بل هم لا يرون قيامها بحال.

يدين العباسيون في الشرق بخلافتهم للنقمة الفارسية، وهم أنفسهم أدنى إلى أن يكونوا فرسا منهم إلى أن يكونوا عربا، ومتى ضعفت الخلافة وثار القواد في أصقاع الولايات، وجعل رؤساء العصابات ملوكا، يقوم هؤلاء الغاصبون ويهيجون النعرة القومية، ويوهمون الناس أنهم على حق بما يمتون إليه من أصولهم القديمة، وبحرصهم على إعادة ذكرى ما كان لهم من ذلك قبل الإسلام، فقد ادعى السامانيون، وهم من عنصر تتري، أنهم من نسل الملك بهرام بن جوبين الفارسي، وزعم البويهيون من الديلم أنهم من نسل الساسانيين ملوك فارس، وهكذا الحال في إفريقية وفيها أنشأ الفاطميون مملكتهم بأيدي البربر، كما أنشئت خلافة بغداد بأيدي الفرس.

كان الأمويون في الأندلس عرضة للانحلال منذ القرن العاشر؛ لأنهم كانوا على خطر من الممالك النصرانية من الشمال، وانتقاض رعاياهم من الإسبان المهتدين أو النصارى، لولا أن حال دون ذلك نبوغ عبد الرحمن الثالث. ولما لم يستطع الخلفاء أن يعتمدوا على مواطنيهم من العرب، أو على رعاياهم من أهل البلاد، حاولوا أن يقيموا سلطانهم بعناصر أخرى، فأنشأوا لهم جندا مهما يتفانى في خدمتهم، فوقع اعتمادهم على جند غريب وسلموا حامياتهم للعبيد وللمماليك، فكان للعباسيين حامية تركية، وللفاطميين حامية من البربر والزنوج والأتراك، واتخذ الأمويون في الأندلس الصقالبة والبربر والقشتاليين، فغلط الخلفاء في تقديرهم هذا؛ لأن أدوات الحكم خرجت عنهم أو انقلبت عليهم، وعملت المكايد في هؤلاء الصعاليك، وتقرب منهم أرباب الأحزاب، وعصفت فيهم الأطماع، وعبثت بهم الأهواء، فما لبثوا أن دخلوا في العراك ينصبون الخلفاء ويخفضونهم، ويعسفونهم ويذلونهم، ويوقعون بهم ويقتلونهم، إن مصير خلافة الأمويين في قرطبة مصيرها في العباسيين والفاطميين، انحلت بالفوضى العسكرية. ا.ه.

وقال لبون: إن أول ما نشأ من فساد الأسلوب السياسي عند العرب تمزيق مملكتهم، فقد كان الخلفاء ينيبون عنهم نوابا في الولايات يجمعون مثلهم بين السلطة الحربية والدينية والمدنية، فلا يعتمون أن يحاولوا حكم البلد لحسابهم الخاص، ولما كان من المتعذر كبح جماحهم، أصبح من الميسور عليهم أن يملكوا البلاد، وكان من نجاح بعض الحكام في التغلب على الولاية التي انتدبوا لإدارتها، داع إلى حمل غيرهم على احتذاء مثالهم، وبلغت الحال أن أصبحت الولايات القاصية في المملكة ممالك مستقلة، ونتجت من هذا التمزيق نتائج مضرة ونافعة، والضرر في كون التقسيم يضعف السلطة العسكرية في العرب، والنفع في كون هذه التجزئة تسهل ارتقاء المدنية، وما كان لمصر ولا لإسبانيا أن تبلغا هذه الدرجة من النجاح الذي كتب لهما لو لم تنفصلا عن الحضرة. ا.ه.

وفي الحق إن الأندلس ومصر ما كان يتم فيهما ما تم من الحضارة لو ظلتا مقطورتين مع الدولة العباسية إلى آخر أيامها، وكيف تبقيان لها والعباسيون بعد القرن الثالث عجزوا عن إدارة العراق دع القاصية، وقد كانت الأندلس حتى في العهد الأموي الأول ميدانا للفوضى لبعدها عن مقر الخلافة، وكانت مصر في هذا المعنى أحسن حالا لقربها من دار الملك في الجملة، فمن سعادة الأندلس أن عاد أبناء الأمويين فحكموها، ومن سعادة مصر أن تولاها ابن طولون عن العباسيين فاستقل بها، ومن سعادة تونس أن تولاها الآغالبة زمنا، وكان هذا البعد الباعد بين هذه الممالك الثلاث وبين دار الخلافة العباسية من العوامل الكبيرة في استقلالها.

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ٣٥٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ٣٥٢