تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

علل بعض مؤرخي الإفرنج لسقوط المملكة العباسية بأن الثورة التي عجلت بسقوط الأمويين وأدالت منهم للعباسية، كانت عمل حزب ديني ثار علنا ودعا سرا مدة قرن كامل، وكانت أيضا حركة قومية، ومقاومة من الشرق، وأثرا من آثار نقمة الفرس على الفتح العربي، وأن بعض عظماء ملوكهم كالسفاح والمنصور والمهدي والرشيد والمأمون والمعتصم أسرع الانحطاط إلى العباسيين، وتقسم البلاد ملوك وأمراء، وتعاقبت عليها دول حربية أو وطنية استأثروا بجزء من المملكة وراحوا بها يؤسسون ملكا ويقيمون حكومات، وأن الوحدة السياسية فقدت في المملكة العربية عقب انحلال دولة بني أمية في دمشق. قال: وبينا كان يظهر في الفاطميين والأمويين في الأندلس زعماء وفاتحون، لم يكن يظهر في العباسيين الكسالى غير أناس أمسوا ألعوبة في أيدي مستخدميهم من الجنود ورجال البلاط، ومع ذلك عاشت دولتهم بعد تينك الدولتين. قال: إن العصر الذهبي لخلافة بغداد كان في أواخر القرن الثامن ومبدأ القرن التاسع، ثبتت قواعد تلك المملكة في الشرق، وقمعت الثورات التي قام بها أبناء علي، وسكنت نغمة الخزر في تخوم إرمينية والروم في آسيا الصغرى، ومنهم من كبح جماحه ومنهم من رد على أعقابه. وعقد العباسيون مع الإمبراطورة إيرين، ثم مع خليفتها نقفور الأول معاهدات حملت في مطاويها ذلا للإمبراطورية. وكانت بلاد الخلافة عبارة عن ثماني وعشرين ولاية تمتد من نهر الأندوس إلى الأطلنطي، ومن جبال القوقاز إلى الصحراء، أما أقصى حدود المملكة من الغرب - أي إسبانيا والمغرب - فقد نزعت طاعة الخلافة العباسية عنها، وظلت سائر البلاد مجموعة الشمل متماسكة الأجزاء، وكانت عوامل الاضمحلال واحدة في الخلافات الثلاث (العباسية والفاطمية والأموية الأندلسية)؛ ذلك لأن السلطات كلها كانت مجموعة في أيد الخليفة، ولكي يقوم بعمله يجب أن يكون عظيما في ذاته، أو يحسن اختيار وزراء عارفين يحسنون خدمته ولا يتسلطون عليه، وقد أثبت الخلفاء الأولون من العباسيين ومؤسسو الدولة الفاطمية، وكثير من الأمويين في الأندلس، ومنهم عبد الرحمن الثالث أنهم من الطراز الأول من الرجال، بيد أن عيش القصور والحرم، على ما كان عليه في قرطبة والقاهرة وبغداد، لا ينشأ منه غير فساد الذرية مهما كان من قوتها؛ ولذلك لم تلبث هذه الممالك أن تولاها أمراء جهلاء ليسوا على شيء من النبوغ ولا الأخلاق، وعلى قدر الملك يكون قدر الحكومة، والاستقرار يكون عادة في الممالك المطلقة، ولئن أصبحت الوراثة في تولي الملك عادة متبعة، فما عين القانون لانتقال الملك بالإرث خطة مقررة، وحاول بعض أرباب المدارك من رجال الأمر أن يصلحوا هذا الخلل فما وفقوا.

كان العباسيون ينصبون ولي العهد مقدما، وهو يقسم الأيمان كما يقسم الملك المتولي، وفي الأندلس عمد الحكم الثاني إلى عظماء المملكة ودعاهم إلى التوقيع على ما يشبه البراءة؛ لتقليد ابنه الخلافة وأرسلت نسخة منها إلى الولايات، وكان الأعيان وأرباب الطبقات الدنيا يوقعون عليها، ولم تنجع كلتا الطريقتين. وفي بغداد لم يهدأ بال المنصور إلا بخلع ابن عمه عيسى من ولاية العهد لنصب ابنه مكانه، وفي قرطبة لم يكد الحكم الثاني يلقى حتفه حتى دبرت في القصر مكيدة، جعل بها بدل هشام أموي آخر اسمه المغيرة، إلا أن الوزير المصحفي وابن أبي عامر تقدما بقتل هذا الدعي، ومن حظ هشام أن أطماع هذين الرجلين وقفت عند حد إعادة الحق إلى صاحبه. وعلى هذا رأينا نظام ولاية العهد عرضة للأخطار، وكانت شهوة كل من كانوا على صلة بالعرش، أن يتولوا الأمر إذا كانوا من الأمراء، وأن ينصبوا الملك الذي يختارونه، إذا كانوا من الوزراء أو من رجال الدولة وقواد الجيش، وهناك الدسائس والأحزاب والمنافسات والفتن، والسلطة العليا تضعف إذا كانت مختلة باضطرابات دائمة، والدولة أبدا قلقة بأطماع الوزراء، ومكايد الموالي والعبيد ونفوذ الأمراء.

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ٣٥١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ٣٥١