ولقد أنكر الجند
212
والقواد على المقتدر استيلاء النساء والخدم على الأمور، وكثرة ما أخذوا من الأموال والضياع، فقتلوه فانخرقت الهيبة، وضعف أمر الخلافة منذ ذلك العهد، وطمع أصحاب الأطراف والنواب وخرجوا عن الطاعة. يقول حمزة الأصفهاني:
213
إن الملك تنقل من بني العباس في ثمانية عشر نفرا، والمقتدر ثامن عشرهم وكان في مدة مائة وسبع وسبعين سنة على جملة من الاستقامة؛ إذ كانت العوارض التي تعرض في سلطانهم قصيرة المدة سريعة الزوال، فانساق ملكهم على هذا المنهاج إلى أن مضى من ملك المقتدر ثلاث عشرة سنة إلا أياما، وذلك في آخر سنة ثمان وثلاثمائة، فعندها بدأت الأحداث والفتن في دار ملكهم، فأزالت عن الجند والرعية هيبتهم، وأخلت من الأموال خزائنهم.
وإذا استثنينا عهد المعتضد لم نشاهد بعد المأمون من كان ذا عبقرية في إدارة الملك، وقد لا ينتظم الأمر حتى بوجود الوزراء المحنكين؛ لأن للرئيس تأثيره ما دام مرجع الأعمال إلى الخليفة، فإن كان هذا على اتزان تخفى العيوب في الجملة، في هذه السلطنة الاستبدادية الطويلة العريضة، وإلا فالملك في تزلزل، وهناك خليفة يدبره أخوه، وآخر تدبره أمه وقهرمانتها وقهرمانته، وغيره يدبره وزيره، وفي كثير منهم كانت سلطة النساء بادية في الخلافة، وقل خليفة كالمأمون والمعتضد من يصدر عن رأي نضيج، ويعنى بملكه كما يعنى بنفسه.
يقول صاحب النشوار:
214 «كان أول ما انحل من نظام سياسة الملك أيام بني العباس القضاء، فإن ابن الفرات وضع منه وأدخل فيه قوما بالزمانات،
215
لا علم لها ولا أبوة، فما مضت إلا سنوات حتى ابتدأت الوزارة تتضع، ويتقلدها كل من ليس لها بأهل، حتى بلغت في سنة نيف وثلاثين وثلاثمائة إلى أن تقلد وزارة المتقي ابن العباس الأصفهاني الكاتب، وكان غاية في سقوط المروءة والرقاعة. وتلا سقوط الوزارة اتضاع الخلافة وبلغ صيورها إلى ما نشاهد، فانحلت دولة بني العباس بانحلال القضاء. ا.ه.»
ولما ولى معز الدولة بن بويه القاضي عبد الله بن أبي الشوارب (سنة 350ه) قضاء القضاء، شرط على نفسه أن يحمل في السنة إلى خزانة ابن بويه مائتي ألف دينار، فتألم المطيع لله وامتنع من تقليده. وبلغ من سقوط منصب الوزارة أن بعضهم كان يستعمل ضروب الرشى ويرتكب كل صغار ليصل إليها، ومنهم من أنفق في هذه السبيل فقط خمسمائة ألف دينار، ومنهم من رشا المنجمين حتى يشيعوا أخبارا يجعلها سلما إلى أغراضه.
ما انقضت الدولة العباسية
216
حتى كانت مصر والشام في أيدي المماليك، واليمن بأيدي الزيدية والدولة الرسولية، والحجاز لبني حسن، ومراكش لبني مرين، وإفريقية للحفصيين، والأندلس لبني الأحمر وملكهم غربا من جزائر بني مزغنان - الجزائر اليوم - إلى عقبة برقة، والتكرور لرجل ينتسب إلى عمر بن الخطاب، وصاحب البرنو وصاحب الكانم من بيت قديم في الإسلام، وماردين لبني أرتق، وحصن كيفا بيد رجل من بقايا الأيوبيين، وصاحب أرزن من ملوك آل سلجوق، وصاحب بدليس شرف الدين، وهراة غياث الدين، والأكراد يتأمر عليهم صاحب جولمرك وصاحب عقرشوش، وأمراء الترك في بلاد الروم أو بلاد الدروب؛ أي البلاد المنحصرة بين بحري القرم والخليج القسطنطيني، ومملكة إيران بأيدي بيت هولاكو ويدخل فيها الهياطلة وهي بلاد مازندران، وما يليها إلى آخر كيلان، وتوران مملكة الخاقانية بيد أفراسياب ملك الترك، وبقية ديار بكر بيد إبراهيم شاه، ومملكة أذربيجان بيد سليمان شاه من أولاد جوبان، وخراسان بيد الخاقان طغتمر. ومملكة توران منقسمة ثلاثة أقسام، منها سلطانان مسلمان وأكبر الثلاثة القان الكبير هو صاحب الصين والخطا، وقد دان دين الإسلام، والملكان الآخران صاحب السراي
217
وخوارزم والقرم ودست القبجاق، والثاني صاحب غزنة وبخارى وسمرقند وعامة ما وراء النهر، وهناك أمراء البادية من العرب وهم بديار مصر وبرقة واليمن والحجاز والشام والعراق والبحرين. •••