تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

207

وأصبح ما كان بقي في أيدي العباسيين أمرا دينيا اعتقاديا لا ملكا دنياويا، فكان القائم بالدولة منذ فجر القرن الرابع إنما هو رئيس الإسلام لا ملك يستجمع صفات الملك والخلافة. وإذا دون المؤرخون شيئا من أخبار القوة فهو صادر عن ملوك الطوائف الذين اتخذوا شعار العباسيين اسما، وعملوا تحته كالبويهين والسلجوقيين والسامانيين والغزنويين والطولونيين والإخشيديين والحمدانيين والآغالبة، وهذا مما لم يعهد مثله في دولة بني أمية في دمشق وقرطبة، هؤلاء كان فيهم شمم العرب وعز الملك والسلطان، والتشبع بروح الدين، وكان لخلفائهم صبغة خاصة يهتمون بملكهم قبل كل شيء.

أفسد العباسيون دمهم العربي بما أدخلوه عليه من الدم الغريب، وأفسدوا عصبيتهم بما كان من زهدهم في عنصرهم ، والاستنامة إلى غيره لقيام دولتهم، فغدا الدخيل بعد حين أصيلا، وسقطت الأصول وقامت بدلها الفروع، وآض المصطنع سيدا مسودا، ورجع العظيم يتعثر في أذيال الذل، أصبح العباسيون إلا قليلا خلاسيين وهجناء لا بالعرب ولا بالعجم، وتركتهم الشعوب للتبرك بهم لشرفهم، ولا تزيد مكانتهم عن بعض السلاطين الذين انتزعوا أقطارا من الأرض العباسية وحكموها بالجبرية حكما دينيا ومدنيا.

ومن أهم العوامل في ضعف بني العباس عدم العناية بتربية أولياء العهد تربية حرة عملية، وكان من عادة أكثر الخلفاء أن يحبسوا أولادهم وأقاربهم، وبذلك جرت سنتهم إلى آخر أيام المستنصر، فلما ولي المستعصم آخر خلفائهم ببغداد أطلق أولاده الثلاثة ولم يحبسهم، وبحبس أولاد الخلفاء ضعفت ملكاتهم، وربما انصرف أكثرهم في دور احتباسهم إلى اللهو والشهوات، فإذا جاءوا يتربعون في دست الخلافة عجزوا عن سياستها؛ لأنهم عاجزون عن سياسة أنفسهم، ولقد كان الرسم في عهد الخلفاء الأول من آل العباس أن يراقب الوالد ابنه والابن أباه والأخ أخاه على طريقة مكتومة عن الأنظار، وتوسد إلى أبناء الخلفاء وإخوتهم قيادة الجيوش وإدارة الولايات يشتركون في السلطان، وتؤخذ آراؤهم في النوازل، ويدخلون في مجالس المشورة، فيكون لهم بذلك شيء من الوقوف يدركون به أنهم شركاء في الملك، وعليهم أن يستعدوا لتولي زمامه. وبحجب أبناء الخلفاء في عصر الانحطاط أمسى بعضهم كالمغفلين لعدم اختلاطهم بأحد، يدرسون سياسة الملك في الكتب، وربما لا يرخص لهم أن ينظروا في كل الكتب، ويهيئهم المؤدبون تهيئة نظرية، ولا يعلمون شيئا كثيرا يصح أن يكون مادة لحياتهم وحياة الخلافة، إذا أتت نوبتهم لتولي هذا المنصب الجليل.

ثم قد يترفع الخليفة عن المجتمع حتى يجهل حقيقة أحوال الناس، وما يدور في بلاده من المسائل المهمة، اللهم إلا ما يكتب به إليه أصحاب الأخبار، وعد من مزايا الظاهر (622ه)، ولم يل الخلافة العباسية أتقى منه بعد عمر بن عبد العزيز الأموي، أنه ظهر للناس وكان الخلفاء قبله لا يظهرون إلا نادرا،

208

ولم ينظر في الرقاع التي تكتب إلى الخليفة في العادة في موضوع أخبار الناس، إلا أن أيامه لم تطل، ولم يدم الملك العباسي بعده كثيرا.

وأهم مسألة في انهيار بنيان الدولة هذا الجيش الغريب، فقد كان الجيش لأول أمره من أبناء خراسان، واشترى المنصور المماليك واستخدمهم وتابعه من خلفوه، وما جاء المعتصم حتى وضع من العرب

209

وأخرجهم من الديوان، وأسقط أسماءهم، ومنعهم العطاء من العاصمة والولايات، وأصبح جند

210

الخلافة على عهده خمسة أقسام: الخراساني والتركي والمولي والعربي والبنوي،

211

وهذه الجيوش التي سلبت قرار الحضرة - أي العاصمة - كانت تثور في أيام العظماء من ملوكهم وتتطلب عطاء السنة والسنتين، ولها هيجة كلما راح خليفة وجاء خليفة، إذا لم يكن المال مهيئا لإرضائهم ولوا وجوههم عنه، ويا ويل من يولي الجيش عنه وجهه.

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ٣٤٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ٣٤٩