تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

203

وأظهر الظاهر (623ه) من العدل والإحسان ما أحيا به سنة العمرين.

204

ومع هؤلاء النابهين من الخلفاء أصبحت الخلافة العباسية أوائل القرن السابع شبحا من الأشباح، وكان الضعف سرى إليها منذ انتقل الملك والدولة في آخر

205

أيام المتقي وأول أيام المستكفي إلى بني بويه الديلم، ولما عزل المستكفي وبويع للمطيع ودخل معز الدولة إلى بغداد خلقت ديباجة الخلافة، وكادوا يبايعون للعلويين.

قال المقريزي: فلم يبق في يد بني العباس من الخلافة إلا اسمها فقط من غير تصرف في ملك، بحيث صار الخليفة منهم في مدة الدولة البويهية، ثم في الدولة السلجوقية إنما هو كأنه رئيس الإسلام، لا أنه ملك ولا حاكم، تحكم فيه الديلم، ثم السلجوقية كتحكم المالك في مملوكه، وما زالوا تحت الحكم منذ سنة 334ه إلى أن قتلوا عن آخرهم، وسبي حريمهم، وهدمت قصورهم، وهلكت رعاياهم على يد هولاكو، وكانوا هم السبب في ذلك. قال: والعوامل في انقضاء الدولة العباسية التي دامت نيفا على خمسمائة وعشرين سنة أنها صارت إليهم بعد ما ضعف أمر الدين وتخلخلت أركانه، وتداول الناس أمر الأمة بالغلبة، فأخذ حينئذ بنو العباس بأيدي العجم أهل خراسان، ونالوها بالقوة، ومناهضة الدول، ومساورة الملوك، حتى أزالوا بعجم خراسان دولة بني أمية، وتناولوا العز كيف كان، فما وصل أمر الأمة إلى أهل العدالة والطهارة، ولا وليهم ذوو الزهادة والعبادة، ولا ساسهم أهل الورع والأمانة، بل استحالت الخلافة كسروية وقيصرية. ا.ه. وقال أيضا في دولة

206

بني العباس: إن فيها افترقت كلمة الإسلام، وسقط اسم العرب من الديوان، وأدخل الأتراك فيه، واستولت الديلم ثم الأتراك، وصارت لهم دول عظيمة جدا، وانقسمت ممالك الأرض عدة أقسام، وصار بكل قطر قائم، يأخذ الناس بالعسف ويملكهم بالقهر.

ولقد تجلى التفريط والإفراط في العهد العباسي الأخير والأوسط، وما كانت تأثيرات النكبات ظاهرة كل الظهور، لمكان القوة في جسم الأمة، وكان كلما ضعف سلطان الخلافة ضعفت الأمة على نسبتها، وربما كان من العوامل في ضعف سلطان العباسيين اتساع رقعة مملكتهم وترامي أطرافها، فصعب معه القضاء على دعوة كل من ينزع في القاصية إلى الاستقلال بجيشهم من الخراسانيين، ثم من غيرهم من العناصر غير العربية؛ ولأن من الخلفاء من ربما أعطوا الألوف لمن يجب ولمن لا يجب، وضنوا بالمئات على الجند والقواد، ومنهم من شغل بشهواته ورفاهيته، وبلغ في ذلك مبلغا عظيما، وخرجوا جملة عن هدي الراشدين، وخالفوا سيرة أعاظم الأمويين والعباسيين، وراحوا يتمتعون بالفتوح التي تمت لبني أمية في الخافقين، ووضع هؤلاء أساسها، فما بنى أخلافهم كما بنوا، واحتفظوا بهذا التراث العظيم الاحتفاظ الواجب، ولئن نقموا من الأمويين تغاليهم في رد الطالبيين وآل العباس عن الأمر، فما كان العباسيون أرفق بالطالبيين والأمويين والخوارج وكل من نازعهم السلطة يوم كان الأمر أمرهم.

ولما كثر الأعاجم في دولتهم، وهجم عليهم الروح الفارسي من كل جانب، وأضعفوا بأيديهم عصبيتهم العربية، وجعلوا من الفرس والترك عصبية محدثة لهم، صار اسم العرب في أكثر أيام هذه الدولة كأنه تاريخ أمة بائدة، يقرأ للتسلية والاطلاع، لا للقدوة والاتباع، ولو لم تكن العربية لسان الدولة لما قال القائل في وصف الدولة العباسية، إلا أنها دولة الفرس دخلها تعديل بالإسلام. على أن الدولة يتعذر عليها أن تسير على غير هذه الطريق ما دام الجيش - وهو أول عامل في قيام الدولة - من الأعاجم، وما دام سلطان الدولة يمتد على مملكة تسعة أعشارها من غير العرب.

ولولا أن نبغ في صدر هذه الدولة بضعة خلفاء عظماء، كالمنصور والرشيد والمأمون من بين سبعة وثلاثين خليفة، لصح أن يقال: إن الدولة العباسية الفارسية كانت دون الدولة الأموية العربية بمراحل، وأي ضعف أعظم من أن يقتل الخليفة بأيدي المتغلبين، أو يبقى آلة في أيديهم وهو ساكت لا يتحرك، راض بما قسم له من حظ، خصوصا لما انتقل الملك إلى آل بويه،

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ٣٤٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ٣٤٨