تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكان من العادة في أيام تراجع الخلافة واستيلاء المتغلبين على بعض أقطارها أن يكتفي بعض الخلفاء بلعن من خالف عليهم، يأمرون بلعنه على المنابر حتى يكل اللاعنون ويملوا، والخارج يقوى ويستعلي، وربما قابلهم هو بالمثل، فيكون اللعن شفاء لصدر المقهور، وتقاصر اسم

196

الخلافة في هذه الأزمان، وقنع الخلفاء من خلافتهم بالدعاء على المنابر، وضرب اسمهم على الدنانير والدراهم، فكان المتقي والمستكفي والمطيع

197

كالمولى عليهم لا أمر ينفذ لهم، أما ما نأى عنهم من البلدان فتغلب على أكثرها المتغلبون واستظهروا بكثرة الرجال والأموال، واقتصروا على مكاتبتهم بإمرة المؤمنين والدعاء لهم. وأما بالحضرة فتفرد بالأمور غيرهم فصاروا مقهورين خائفين، قنعوا باسم الخلافة ورضوا بالسلامة، وازداد في أيام المطيع أمر الخلافة إدبارا، حتى لم يبق له من الأمر شيء قل أو جل، ولم يبق في يد الخليفة غير ما أقطعه إياه معز الدولة بن بويه مما يقوم ببعض حاجته.

بعث بختيار (361ه) على مطالبة المطيع بما يوهمه

198

أنه يحتاج إلى إحراجه في طريق الغزو، فأجابه المطيع: إن الغزو يلزمني إذا كانت الدنيا في يدي، وإلي تدبير الأموال والرجال، وأما الآن وليس لي منها إلا القوت القاصر عن كفايتي، وهي في أيديكم وأيدي أصحاب الأطراف، فما يلزمني غزو ولا حج، ولا شيء مما تنظر الأئمة فيه، وإنما لكم مني هذا الاسم الذي يخطب به على منابركم تسكنون به رعاياكم، فإن أحببتم أن أعتزل اعتزلت من هذا المقدار أيضا، وتركتكم والأمر كله.

وكانت هذه الطبقة من الخلفاء منحطة لا تصلح للخلافة ولا لشيء غيرها من مهام الملك. قال ابن بهلول: كنا إذا كلمنا المستكفي وجدنا كلامه كلام العيارين، وكان الغالب على دولته امرأة يقال لها علم الشيرازية، وكانت قهرمانة داره، وهي التي سعت في خلافته عند «توزون» حتى تمت، فعوتب على إطلاق يدها وتحكمها في الدولة، فقال: خفضوا عليكم، فإنما وجدتها في الشدة ووجدتكم في الرخاء، وهذه الدنيا التي بيدي هي التي سعت لي فيها حتى حصلت، أفأبخل عليها ببعضها؟

ولم يغن

199

عن المقتدر ما بذل من المال للجند لما شغبوا حتى ضربوه بالسيف، وذلك بسبب جرأة الأعداء وطمعهم فيما لم تكن أنفسهم تحدثهم به من الغلبة على الحضرة، وانخرقت الهيبة، وضعف أمر الخلافة وتفاقم.

قال الطبري:

200

وحار الناس في أمر دولة المقتدر وطول أيامها على وهي أصلها وضعف ابتنائها، ولم ير الناس ولم يسمعوا بمثل سيرته وأيامه وطول خلافته، وكان جيد العقل صحيح الرأي، ولكنه كان مؤثرا للشهوات، قال التنوخي:

201 «ولقد سمعت أبا الحسن علي بن عيسى الوزير، يقول: وقد جرى ذكر المقتدر بحضرته في خلوة: ما هو إلا أن يترك هذا الرجل النبيذ خمسة أيام متتابعة حتى يصح ذهنه، فأخاطب منه رجلا ما خاطبت أفضل منه، ولا أبصر بالرأي، وأعرف بالأمور، وأسد في التدبير، ولو قلت: إنه إذا ترك النبيذ هذه المدة يكون في أصالة الرأي، وصحة العقل، كالمعتضد والمأمون، ومن أشبههما من الخلفاء، ما حسبت أن أقع بعيدا، وما يفسده غير متابعة الشرب ولا يخبله سواها.»

وفي أيام القادر

202

عاد إلى الدولة العباسية وقارها، ونما رونقها وأخذت أمورها في القوة، وكان من أفضل خلفائهم، قال ابن الأثير: إن خلافته إحدى وأربعون سنة، وقد جدد ناموس الخلافة، ومن قبل كان طمع فيها الديلم والترك، وأطاعه الناس أحسن إطاعة؛ لأنه كان على صفات حسنة من الخير، وراح المقتدي وجاء المستظهر، ثم المسترشد وهو المتمم للثلاثين من خلفاء بني العباس، والمسترشد والراشد أخوان، كما كان السفاح والمنصور أخوين، والهادي والرشيد أخوين، والواثق والمتوكل أخوين، أما الثلاثة الأخوة الأمين والمأمون والمعتصم إخوة أولاد الرشيد، والمكتفي والمقتدي والقاهر إخوة أولاد المعتضد، والراضي والمتقي والمطيع إخوة أولاد المقتدر. ويقول أرباب السير: إن المكتفي (550ه) كان حسن السيرة وهو أول من استبد بالعراق منفردا عن سلطان يكون معه، وإن حرمته كانت وافرة، بخلاف الخلفاء قبله.

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ٣٤٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ٣٤٧