تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قلنا: إن المعتضد ثبت أركان الخلافة، وكانت تريد أن تنقض جملة، وهو الذي رد مصر إلى حظيرة الخلافة بعد أن كاد يذهب بها أحمد بن طولون وأولاده، وكتب إلى ابنه خمارويه بولايته عليها هو وولده ثلاثين سنة، وذلك من الفرات إلى برقة، وجعل إليه الصلاة والخراج والقضاء وجميع الأعمال، على أن يحمل في كل عام من المال

191

مائتي ألف دينار مما مضى، وثلاثمائة ألف عن كل عام للمستقبل، ولعل ما ساقه أيضا إلى هذا التسامح بقطعة عظيمة من الملك العباسي، ما تناصرت الأخبار عليه من أن الدولة العبيدية الفاطمية ظهرت أعلامها في المغرب، فأحب أن يضع الطولونيين بينه وبينها، وطلب المعتضد إلى ابن طولون أن يزوجه ابنة ابنه خمارويه، وقال: ما قصدت بهذا الزواج إلا إفقار ابن طولون؛ لأنه يضطر أن يجهزها بجهاز لم تجهز به عروس من قبل، وجرى الأمر - كما قال - فإنها جهزت بما استفرغ خزائن مصر والشام، وكثر هذا الضرب من الزواج السياسي في القرنين التاليين بين أمراء المسلمين، وبما أتاه المعتضد من الأعمال لفظ كيان الدولة صح ما قيل

192

بعض الصحة من أن بني العباس قوم منصورون، تعتل دولتهم مرة وتصح مرارا؛ لأن أصلها ثابت وبنيانها راسخ.

وانحل

193

في الربع الأول من القرن الخامس أمر الخلافة والسلطنة في بغداد، حتى خرج بعض الجند ونهب شيئا من ثمرة قراح

194

الخليفة القائم بأمر الله فعظم عليه، واشتد أذى العيارين، واختل الأمن في كل جهة، فتقدم الخليفة إلى القضاة بترك القضاء والامتناع عنه، وإلى الشهود بترك الشهادة، وإلى الفقهاء بترك الفتوى. وفي أيام القائم انتهى البساسيري الثائر إلى المستنصر الفاطمي صاحب مصر، فأمده بالأموال حتى أخذ بغداد، وقطع منها دعوة بني العباس وخطب للمستنصر بها نحو سنة والقائم محبوس، ثم قدم طغرلبك السلجوقي، وأعاد القائم إلى الخلافة، وقتل البساسيري.

وفي أيام الراضي زادت وطأة الأتراك على الخلافة، وقال الخليفة يوما: وكأني بالناس يقولون كيف رضي هذا الخليفة بأن يدبر أمره عبد تركي (بجكم) حتى يتحكم في المال وينفرد بالتدبير، ولا يدرون أن هذا الأمر أفسد مثلي، وأدخلني فيه قوم بغير شهوتي، فسلمت إلى ساجية وحجرية يتسحبون علي ويجلسون في اليوم مرات، ويقصدونني ليلا، ويريد كل واحد منهم أن أخصه دون صاحبه، وأن يكون له بيت مال، وكنت أتوقى الدماء في ترك الحبل عليهم إلى أن كفاني الله أمرهم. ثم دبر الأمر ابن رائق فدبره أشد تسحبا في باب المال منهم، وانفرد بشربه ولهوه، قال: ويتعدى الواحد منهم أو من أصحابهم على بعض الرعية بل على أسبابي، وآمر فيه بأمر فلا يمتثل ولا ينفذ ولا يستعمل، إلى أن قال: فرضيت ضرورة به، وكان أوفق لي وأحب إلي ممن قبله، وكان الأجود أن يكون الأمر كله لي، كما كان لمن مضى قبلي، ولكن لم يجر القضاء بهذا لي. ا.ه. وهذا كلام الرجل الضعيف النفس والعزيمة والسياسة، وفي أيامه (326ه) جاء كتاب الروم من رومانس وقسطنطين من عظماء ملوك الروم يطلبون الصلح، قالوا فيه: لما بلغنا ما رزقته - أيها الأخ الشريف - من وفور العقل وتمام الأدب واجتماع الفضائل أكثر ممن تقدمك من الخلفاء حمدنا الله، ثم طلبوا الهدنة والفداء.

195

وفي سنة 332ه خرج عسكر الروس إلى أذربيجان وقصدوا بردعة وملكوها، وفي أيام الراضي وثب في كل قطر من الأقطار قائم أو أمير تغلب على إقليمه، وانطلق في أحكامه يفعل ما يشاء، كأنه المالك الحقيقي للقطر أو الأقطار التي أصبح له السلطان الأعظم عليها، والخطبة لبني العباس ما عدا الغرب وإفريقية والأندلس، وفارس في يد علي بن بويه، والري وأصفهان في يد أخيه الحسن بن بويه، والموصل وديار بكر وديار ربيعة في أيدي بني حمدان، ومصر والشام في يد محمد بن طغج، ثم في أيدي الفاطميين، وخراسان والبلاد الشرقية في يد بني سامان.

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ٣٤٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ٣٤٦