تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأصبحت الخلافة في هذا الدور ولا شأن فيها لأذكياء الوزراء في الدولة إلا أن يجمعوا الأموال، وأمست الدولة دولة الأتراك والديالمة والخصيان والنسوان، وما كان للخليفة إلا إرضاء الأمراء وأرباب الصولة، روى صاحب

186

تاريخ بغداد أن جماعة (296ه) من الكتاب والقواد سعى بعضهم إلى بعض عازمين على خلع المقتدر والبيعة لعبد الله بن المعتز، فناظروه في ذلك، فأجابهم على ألا يسفك دم، ولا تكون حرب، فأخبروه أن الأمر لا يسلم عفوا، وأن جميع من وراءهم قد رضوا به فبايعوه بالخلافة، وكان أحد رجال الدولة ممن يختلف إلى دار أبي جعفر الطبري المؤرخ، دخل عليه فسأله: ما الخبر وكيف تركت الناس؟ أو نحو هذا من القول، فقال له: قد بويع عبد الله بن المعتز، قال: فمن رشح للوزارة؟ قال: محمد بن داود بن الجراح، قال: فمن ذكر للقضاء؟ فقال: الحسن بن المثنى، قال: فأطرق الطبري قليلا، ثم قال: هذا الأمر لا يتم ولا ينتظم، قال: فقلت له وكيف، فقال: كل واحد من هؤلاء الذي سميت متقدم في معناه، عالي الرتبة في أبناء جنسه، والزمان مدبر والدنيا مولية، وما أرى هذا إلا إلى اضمحلال وانتقاص، ولا يكون لمدته طول، فكان الأمر كما قال: ولم يل ابن المعتز الخلافة إلا يوما، وقتل من الغد بقوة أشياع الخليفة قبله.

واستولى بنو بويه على بغداد، وروي

187

أن الوزير ابن مقلة قال: إنني أزلت دولة بني العباس وأسلمتها إلى الديلم؛ لأني كاتبت الديلم وقت إنفاذي إلى إصبهان، وأطمعتهم في سرير الملك ببغداد، فإن اجتنيت ثمرة ذلك في حياتي، وإلا فهي تجتنى بعد موتي، فكان كما قال.

وأمر الطائع (سنة 369ه) خلفاءه على الصلاة في جوامع مدينة دار السلام، بأن يقيموا لعضد الدولة بن بويه الدعوة تالية لإقامتها له على منابرها، ونفذت به الكتب إليهم، ورسم أن يضرب على بابه بالدبادب في أوقات الصلوات. قال ابن مسكويه:

188

وهذان الأمران من الأمور التي بلغها عضد الدولة، واختص بها دون من مضى من الملوك على قديم الأيام وحديثها، والخلفاء في هذا الدور يلقون إلى المتغلبين عليهم بمقاليد السلطنة إلا ما لا بال له،

189

ويخلع الخليفة على الملك الخلع السبع والعمامة السوداء ويسود بطوق، وكان أبدا يخطب للملك أو الأمير المتغلب مقرونا إلى اسم الخليفة. •••

والحاصل أن الخلافة انتقلت منذ أواخر القرن الثالث من دور الحكم، إلى طور أصبحت فيه محكومة، كانت لها القوة، فأصبحت لا حول لها ولا قوة. وكثر في هذا القرن خروج الروم إلى بلاد الإسلام، فغدوا يبلغون آمد ونصيبين وأنطاكية وحلب، وكان العباسيون في القرن الذي قبله يفتحون من بلادهم أنقرة وعمورية وهرقلية، وكأن بعض خلفائهم شعروا في هذه الحقبة بأن الخلافة مهددة بالزوال إذا لم يتولها الأطايب من أبناء هذا البيت، فخلع المعتمد ابنه جعفر المفوض من ولاية العهد وجعل المعتضد ابن أخيه ولي العهد من بعده، وهذا عمل مجيد يغبط عليه فاعله مهما كانت الدواعي إليه، فالمعتضد ثبت قواعد الخلافة العباسية بعقله وكفايته، وكان «المعتمد مستضعفا»،

190

وكان أخوه الموفق طلحة الناصر هو الغالب على أموره، وكانت دولة المعتمد دولة عجيبة الوضع، كان هو وأخوه الموفق كالشريكين في الخلافة، للمعتمد الخطبة والسكة والتسمي بإمرة المؤمنين، ولأخيه كلمة الأمر والنهي وقود العساكر، ومحاربة الأعداء، ومرابطة الثغور، وترتيب الوزراء والأمراء. وفي أيام المعتمد قطع ابن طولون المتولي على مصر خطبة الموفق، وأسقط اسمه من الطراز، فأمر المعتمد بلعن ابن طولون على المنابر، وقيل: إن ابن طولون ادعى الخلافة لنفسه بمصر وبايعته الجند والموالي وسائر الناس، على أن يعادوا من عاداه ويوالوا من والاه، ويحاربوا من حاربه من الناس جميعا، وقيل: إنه أمر بكتاب فيه خلع الموفق من ولاية العهد لمخالفته المعتمد فقط.

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ٣٤٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ٣٤٥