تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وخلع المعتز والمؤيد أنفسهما، وأظهر المنتصر خلعهما (248ه)، وفي أيام المستعين خرج بطبرستان الحسن بن زيد من آل علي بن أبي طالب، فغلب عليها وعلى جرجان بعد حروب كثيرة، ثم خلف من بعده محمد بن زيد أخوه، ثم قتل بعد حرب كانت بينه وبين محمد بن هرون، وخرج بقزوين الكوكبي وهو من ولد الأرقط، واسمه الحسن بن أحمد من ولد الحسين بن علي فغلب عليها، ثم هزمه بعض الأتراك، وخرج بالكوفة أيام المستعين يحيى بن عمر فقتل، وخرج في أيامه أيضا الحسين بن محمد من ولد الحسين بن علي فظفر به وأخذ وحبس إلى أن أطلقه المعتمد، وخرج بسواد الكوفة أيام فتنة المستعين بن الأفطس، وكان داعية لمحمد بن إبراهيم بالمدينة فلما مات هذا دعا إلى نفسه. وفي سنة خمسين ومائتين خرج بسواد المدينة إسماعيل بن يوسف من ولد الحسين بن علي فغلب عليها، وتوفي بعد سنتين وخلفه أخوه بعده محمد بن يوسف، وما زال على أمره إلى أن خرج أبو الساج إلى مكة والمدينة فقتل خلقا كثيرا من أصحابه، وهرب محمد فمات في هربه

184

وخلع المستعين (251ه) نفسه وبايع للمعتز.

وخاف الوزيران الحسن

185

بن الفرات والعباس بن الحسن أن يتولى الخلافة عبد الله بن المعتز وهو من أكفأ الرجال لمنصبه وبايعا لصبي، فأدخلا سوس الفساد في الدولة، بايعا للمقتدر وهو ابن ثلاث عشرة سنة، ولم يل أمر الأمة صبي قبله، وضعف دست الخلافة في أيامه، وأصبحت والدة المقتدر تأمر وتنهي، وترسل قهرمانتها تنظر في القصص والمظالم بحضرة القضاة، ورزق المقتدر ولدا صغيرا فولاه على إمرة الديار المصرية وله أربع سنين، فأصبحت الخلافة خلافة نسوان وصبيان، كل هذا بفعل وزيرين خافا زوال نعمتهما، إذا جاء الكفؤ إلى الخلافة يتولاها، فقضيا على نعمة الأمة بتولية الأطفال خلافة المسلمين وإمرة بلادهم، كان ابن الفرات يريد الخليفة ممن لا يعرف أسعار الخبز واللحم حتى يأمن الوزراء على نفوسهم، وما جمعوه من أموال الناس والدولة، يريد خليفة يقضي أوقاته في شهواته وصيوده ونزهاته، مسجونا في السجن المزوق وهو قصر الخلافة، والوزير يملي إرادته على نحو ما قال الشاعر في أحد هؤلاء الخلفاء:

خليفة في قفص

بين وصيف وبغا

يقول ما قالا له

كما تقول الببغا

حاولوا إبعاد مثل ابن المعتز عن الخلافة؛ لأنه لا يطلق أيدي الأغمار والأغرار في مطالبتهم الناس، ويعرف الدقيق والجليل من أحوالهم. ولا عجب بعد هذا أن تكثر الفتوق في الدولة، ويقتل مثل صاحب الزنج الذي استولى على قسم من العراق خمس عشرة سنة، ألف ألف وخمسمائة ألف رجل، وقيل: إنه قتل في يوم واحد بالبصرة ثلاثمائة ألف، وكان له منبر يسب عليه عثمان وعليا ومعاوية وطلحة والزبير وعائشة، وهذا رأي الخوارج الأزارقة. ويروي الطبري أن صاحب الزنج كان علويا واسمه علي بن محمد بن عبد الرحيم، سمي بصاحب الزنج؛ لأنه جمع إليه الزنج الذين كانوا يكسحون السباخ بالبصرة، ويقول الأشعري: إن في اسمه خلافا وإن أنصاره الزنج، وغلب على البصرة سنة سبع وخمسين، وقتل سنة سبعين ومائتين قتله أبو أحمد الموفق بالله ابن المتوكل على الله، وعلى ذلك تكون دعوى أنه من الخوارج فيها نظر، وخرج بأرض الشام من آل البيت المقتول على الدكة، فظفر به المكتفي بعد حروب ووقائع كانت. وفي رواية أن الذي ظهر في أعمال دمشق سنة ثلاثمائة هو ابن الرضي محسن بن جعفر بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد، فكانت له مع أحمد بن كيغلغ عامل الشام وقعة قتل فيها صبرا، وقام القرامطة فاستولوا أيضا على أقسام من العراق والشام والحجاز وعلى البحرين وهجر أواخر المائة الثالثة، استولوا عليها وقتلوا عشرات الألوف من الناس، وكان لصاحبهم اتصال بالفاطمي صاحب مصر وكان صاحبهم يكتب إلى عماله، «من عبد الله المهدي، المنصور بالله، الناصر لدين الله، القائم بدين الله، الحاكم بحكم الله، الذاب عن حرم الله، المختار من ولد رسول الله، أمير المؤمنين وإمام المسلمين»، ودعوته من الدعوات الباطنية المتسترة بالانتساب إلى آل البيت العلوي. وقالوا: إن القرامطة من الرافضة يزعمون أن النبي نص على علي بن أبي طالب، وأن عليا نص على إمامة ابنه الحسن، وأن هذا نص على إمامة أخيه الحسين، وزعموا أن محمد بن إسماعيل حي لم يمت ولا يموت حتى يملك الأرض، وأنه هو المهدي الذي تقدمت البشارة به.

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ٣٤٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ٣٤٤