177
أجناس مختلفة، ولكل جنس مملكة منفردة يحارب بعضهم بعضا.
ولم يغفل المأمون عن قتال الروم، غزاهم غير مرة وفتح مدنا من بلادهم، وفي أيام أبيه جرى الفداء بين الروم والمسلمين، حتى لم يبق في أرض الروم من أهل الإسلام أحد، وكأن الروم كانوا عارفين بأن مملكتهم لا تنجو من أيدي المسلمين إلا إذا غزوهم، كلما استطاعوا إلى غزوهم سبيلا، وكذلك المسلمون كانوا موقنين بأن غزو الروم فريضة عليهم، وإلا جاء الروم، إذا آنسوا ضعفا، يستولون على ما قدروا عليه من البلاد، فتعادل بهذا التوازن بين الأمتين، ورجحت كفة المسلمين، ولا سيما في عهد الرشيد والمأمون والمعتصم.
وأرسل المأمون وفدا من قبله إلى ملك فرنسا مؤلفا من رجلين مسلمين وآخر نصراني، حملوا إلى إمبراطورها من قبل الخليفة العباسي فيها منسوجات فاخرة، وأفاويه عطرة، وكانت العلائق بين العباسيين وملوك فرنسا حسنة. •••
دب الضعف في الخلافة العباسية بعد المعتصم بفتحه للأتراك باب السيطرة على الأمة، واعتماده عليهم في تدبير ملكه وإدارة ولاياته، فكان ناقض الحجر الأول من أساس دولته،
178
ولم يتجل الانحلال في أيامه كثيرا، وبعد زمنه أخذ الأتراك يسيطرون على الخلفاء، بل يقتلونهم ويسملون عيونهم، ويستبدلون بهم غيرهم، ويبعدون عن الخلافة من يصلح لها، فقد بدءوا بقتل المتوكل بن المعتصم، وأنشأوا يقتلون من شاءوا ويبقون على من شاءوا، استضعفوا الخلفاء فكان الخليفة
179
في أيديهم كالأسير. وفي أيام المعتصم خرج محمد بن القاسم من ولد الحسين بن علي بالطالقان من بلاد خراسان فحاربه عبد الله بن طاهر وهو على خراسان فانهزم محمد، ثم قدر عليه فحمل إلى المعتصم فحبسه معه في قصره، فاختلف الناس في أمره فمن قائل يقول هرب، ومن قائل يقول مات، ومن الزيدية من يزعم أنه حي وأنه
180
سيخرج. وفي أيامه خرج علي بن محمد من آل البيت فقتله بنو مرة بن عامر، وظهر بابك الخرمي المجوسي سنة إحدى ومائتين وتبعه خلق كثير، واستفحل أمرهم فاستولوا على جبال طبرستان، ومكث بابك عشرين سنة فقتل في حروبه عشرات الألوف من الخلائق، وانهزم أمامه الجيش العباسي، حتى بعث المعتصم أفشينا فحاربه (223ه)، وسمي أصحاب بابك المحمرة؛ لأنهم صبغوا ثيابهم بالحمرة في أيامه.
181
وكان العراك شديدا في أيام المتوكل بينه وبين القواد الأتراك، حتى عزم أن ينقل عاصمة الخلافة إلى دمشق، ونقل إليها الدواوين بالفعل، وجاءها بنفسه ثم عدل عن رأيه، وكان شديدا على العلويين، عفى قبر الحسين بن علي، وبقدر ما كان من شدة المتوكل في هذا المعنى، كان الواثق يكرم العلويين ويحسن إليهم، «وما أحسن أحد إلى آل أبي طالب من خلفاء بني العباس ما أحسن إليهم الواثق، ما مات وفيهم فقير.» ورد أيضا على بعض بني أمية أموالهم، وكان القادر أيضا بارا بالطالبيين وبأهله، وفي أيام المتوكل غزا الروم دمياط وقتلوا وسبوا من المسلمين والأقباط، فأمر المتوكل بهدم جميع البيع المحدثة في الإسلام
182
في مملكته، وألا يستعان بأحد من أهل الذمة في شيء من عمل السلطان، ومنع
183
النصارى من العمارة، وأفردهم بلباس خاص، وكتب بذلك إلى الآفاق.
عقد الواثق لبنيه الثلاثة وقسم الدنيا بينهم، وكتب بذلك كتابا على نحو ما أجرى جده الرشيد مع أولاده، فأعطى ابنه الأكبر المنتصر من عريش مصر إلى إفريقية المغرب كله إلى حيث بلغ سلطانه، وأضاف إليه جند قنسرين والعواصم والثغور الشامية والجزرية وديار بكر وربيعة والموصل والفرات وهيت وعانة والخابور ودجلة والحرمين واليمن واليمامة وحضرموت والبحرين والسند وكرمان وكور الأهواز وماسبذان ومهرجان وشهرزور وقم وقاشان وقزوين والجبال. وأعطى ابنه المعتز خراسان وطبرستان وما وراء النهر والشرق كله، وأعطى ابنه المؤيد إرمينية وأذربيجان وجند دمشق والأردن وفلسطين، وهذا التقسيم في المملكة لم يقع لأحد، ولم يخرج الملك مع هذا عن القواعد التي وضعها القدامى من الخلفاء.