أراد المأمون أن يغير نهج العباسيين في الخلافة، وقد رأى آله أخذوا بنظرية الحق الإلهي
172
في الحكم وصبغوها بصبغة إسلامية، فجعلوا الخلافة ميراثا عن النبي يتوارثونها، وساروا على قواعد الفرس في نظام البلاط، وفي هذا النظام من فتح المجال للدسائس ما فيه؛ فقد ذهب المهدي والهادي ضحية مكايد دبرت لهما في البلاط، وما أغنى عنهما الاستبداد، وكان من يحكم في ظل هذا النظام، إذا كان قويا يستبد ويطغى، وإن كان ضعيفا فهناك الفتن والاضطرابات والدسائس؛ فقد كان المنصور والمهدي والرشيد والمتوكل جبابرة مستبدين في أحكامهم؛ لأنهم على قوة في ذاتهم، أما الضعاف من خلفائهم فكانوا ألاعيب في أيدي أهل البلاط ونساء القصر، يصرفونهم على الهوى، ويرأمون للمذلة، فيكون اسم الخلافة لهم، والفعل للنافذين من أهل سلطانهم. ا.ه.
وآية كل ذلك أن الخليفة إذا استجمع ما تقتضيه الخلافة من علم وعدل وكفاية، أراح الأمة والدولة في حياته وبعد مماته، وإذا كان على عكس ذلك، ومثله من كثر ظهورهم في القرن الثالث من الخلفاء، فهناك البلاء والشقاء.
وفي أيام المأمون خرج في مكة محمد بن جعفر الصادق وكان يلقب بديباجة لحسن وجهه، وبويع له بالخلافة وسموه أمير المؤمنين، فأرسل المأمون إليه جيشا فكانت الغلبة له، وظفر به المأمون وعفا عنه، ثم أخرجه معه من بغداد فمات بجرجان. وفي سنة مائتين ظهر في اليمن إبراهيم بن موسى الكاظم ولم يتم أمره، وكان يعرف بالجزار لسفكه الدم،
173
وكان داعية لمحمد بن إسماعيل صاحب أبي السرايا فوجه إليه المأمون جيشا فهزمه وصار إلى العراق فأمنه المأمون، وخرج بالكوفة في أيام المأمون محمد بن إبراهيم من آل البيت ودعا إليه أبو السرايا، والمأمون بخراسان، وأنفذ زيد بن موسى داعية له، ثم مات بعد أربعة أشهر من خروجه، فخرج بعده مع أبي السرايا محمد بن محمد بن زيد العلوي، فأخذ بطريق خراسان فقتله أبو السرايا، وأظهر بعد ذلك موت محمد، ويقال: إنه حمل إلى المأمون وهو بمرو فمات هناك،
174
وفي أيامه خرج زيد بن موسى بالبصرة على المأمون وفتك بأهل البصرة فأرسل إليه المأمون أخاه علي بن موسى الرضا فجاءه، وقال له: ويلك يا زيد؛ فعلت بالمسلمين بالبصرة ما فعلت، وتزعم أنك ابن فاطمة بنت رسول الله، والله لأشد الناس عليك رسول الله، يا زيد ينبغي لمن أخذ برسول الله أن يعطي به. فبلغ كلامه المأمون فبكى وقال: هكذا ينبغي أن يكون أهل بيت رسول الله. وفي سنة سبع ومائتين خرج عبد الله
175
بن أحمد بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ببلاد عك من اليمن، يدعو إلى الرضى من آل محمد، فوجه إليه المأمون دينار بن عبد الله في عسكر كثيف، وكتب معه بأمانه فقبل ذلك، ووضع يده في يد دينار، فخرج به إلى المأمون، فمنع المأمون عند ذلك الطالبيين من الدخول عليه، وأمر بأخذهم بلبس السواد، وعلى ما رأى المأمون من تهجم الطالبيين على خلافته، أوصى أخاه المعتصم أن يحسن صحبة بني عمه من ولد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، ويتجاوز عن مسيئهم، ويقبل من محسنهم، وألا يغفل صلاتهم في كل سنة عند محلها، فإن حقوقهم تجب من وجوه شتى.
176
وكان المأمون يكتب إلى عماله على خراسان في غزو من لم يكن على الطاعة والإسلام من أهل ما وراء النهر، ويوجه رسله فيفرضون لمن يرغب في الديوان، وأراد الفريضة لأهل تلك النواحي وأبناء ملوكهم، ويستميلهم بالرغبة، فإذا وردوا بابه شرفهم وأسنى صلاتهم وأرزاقهم. ثم استخلف المعتصم، فكان على مثل ذلك حتى صار جل شهود عسكره من أهل ما وراء النهر، من السغد والفراغنة والأشروسنة وأهل الشاش وغيرهم، وحضر ملوكهم بابه، وغلب الإسلام على من هناك، وصار أهل تلك البلاد يغزون من وراءهم من الترك. والترك