169
منه بالجد، على أن الرشيد أخذ البيعة للمأمون بعد الأمين في سنة 183، وأودع العهد الذي كتبه بينهما في الكعبة، وقال فيه: إن الغادر منهما خارج عن الأمر، أيهما غدر بصاحبه فالخلافة للمغدور به،
170
وكان الأمين البادئ بهذا الغدر بنزعه ولاية العهد من أخيه المأمون وتفويضها إلى ابنه الطفل، وكان الرشيد جعل للمأمون خراسان وسجستان وجرجان وطبرستان والري وما إليها خمس سنين على أن يكون له جميع ما في جيشه وفي البلاد من العتاد والعدة، فكانت هذه المهمات من العوامل النافعة في تغلبه على أخيه، ولم تصف له الخلافة حتى أهرقت دماء كثيرة. ولما جرى بين الأمين والمأمون ما جرى، وقتل الأمين، وأعطى أهل خراسان الطاعة للمأمون، وبايعوه بالخلافة خطبهم فقال: أيها الناس، إني جعلت لله على نفسي إن استرعاني أموركم أن أطيعه فيكم، ولا أسفك دما عمدا لا تحله حدوده وتسفكه فرائضه، ولا آخذ لأحد مالا ولا أثاثا ولا نحلة تحرم علي، ولا أحكم بهواي في غضبي ولا رضاي، جعلت ذلك كله لله عهدا مؤكدا، وميثاقا مشددا، فإن غيرت أو بدلت كنت للعبر مستأهلا، وللنكال متعرضا، وكان منه أن وفى بشروطه.
وحاول المأمون أن يريح الأمة من متاعب الخلافة، بعد أن رأى عبث أخيه الأمين وعبث المهدي والهادي، فارتأى أن يوسد ولاية العهد لأحد أبناء علي، فرأى وهو في خراسان قبل أن يعود إلى دار ملكه، أن يعهد إلى علي بن موسى الرضا، رجل زمانه من آل البيت علما وصلاحا، وزوجه ابنته أم حبيب، وزوج محمد بن علي بن موسى ابنته أم الفضل،
171
وضرب اسم ولي عهده على الدينار والدرهم، وأزال السواد شعار بني العباس من اللباس والأعلام، فأكبر آل العباس هذا، ورأوا فيه مسا بحقوق بيتهم، وكانوا ثلاثة وثلاثين ألفا، فبايعوا بالخلافة في بغداد لعم المأمون إبراهيم بن المهدي، ولما رأى هذا قوة ابن أخيه اختفى مدة، فعفا المأمون عنه، وكان المأمون شاور فيه أصحابه فكل أشار بقتله فقال لهم: «إن قتلته كنت متبعا للملوك قبلي فيما فعلته بمن ناوأها ونازعها، وإن عفوت كنت أمة وحدي.» وكذلك كان أمة وحده. قالوا: وكان المأمون يقصد من جعل حصة للعلويين في الخلافة، والاستعاضة عن سواد بني العباس بخضرة آل علي، أن يحمل هؤلاء على الظهور؛ لأن القوم كادوا يعدونهم من غير الطينة البشرية، وارتأى أنهم متى ظهروا من استتارهم للناس رأوهم مثل غيرهم، وفيهم الفاجر والطاهر، فتنتهي المطالبة أو تخف وتحقن الدماء، وأخرى أن المأمون كان يرى في الخلافة رأي المعتزلة، وهو أن توسد إلى الأصلح لها في المسلمين ولو كان من غير قريش، وبذلك ترجع الأمة مجموعة الشمل، لا فرقة في صفوفها، ولا خلل في بنيانها، وتكون الخلافة للصالح لها، يعيدها سيرتها الأولى على عهد أبي بكر وعمر، بعهد من الخليفة للأصلح، أو شورى يختاره لها جماعة من الأخيار، وأما قول من قال: إن المأمون عهد لعلي بن موسى الرضا؛ لأنه كان يتشيع ، فإن تشيع المأمون هذا كان مقبولا معتدلا، وهو أقرب إلى الاعتزال، والمأمون يريد أن ينصب خليفة للمسلمين كافة، لا للسنة ولا للشيعة ولا للمعتزلة ولا للخوارج.
كانت الخلافة أوائل العهد الأموي قد انقلبت ملكا عضوضا، يقوم على الغلب والعصبية، ويورث ويتنازل عنه، فإن جاء في الخلفاء من انطوى على حزم وكياسة، استقرت أمور الدولة، وسارت شئونها على الصراط السوي، وإلا أصبحت في بحر مائج من الفضائح والفظائع، وندر في البيوت تسلسل الفضائل والذكاء في بطون كثيرة مددا متطاولة، مهما عني الأسلاف بتأديب الأخلاف، ولا بد من حدوث عوارض كالمرض أو الشيخوخة، تطرأ على البيوت كما تطرأ على الأوطان والإنسان، وهذا في الجملة ما دعا إلى تقلقل الدول الإسلامية بتقلقل القائمين بالأمر فيها؛ لأن الأيدي التي تعاورتها كانت تتفاوت قوة وضعفا.