تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي أيام الرشيد خرج الوليد بن طريف الحروري من رءوس الخوارج (سنة 179ه) فقتل بعد أن استفحل شأنه، وخرج في الديلم يحيى بن عبد الله العلوي وبايعه الشيعة وكثرت جموعه، فبعث إليه الرشيد جيشا فقتله وأنصاره، وخرج بتاهرت السفلى محمد بن جعفر فغلب عليها وصارت في أيدي مناصريه، وخرج الخزر (سنة 183ه) من باب الأبواب فقتلوا وسبوا، وقيل: إنهم سبوا مائة ألف، فطردتهم عساكر الخليفة، ثم سدوا الباب الذي خرجوا منه، وأمر الرشيد بإخراج الطالبيين من دار السلام إلى المدينة.

ومن رأي سترستين

167

أن انحطاط دولة بني العباس بدأ بالرشيد، ونحن نرى أن عهد الرشيد وابنه المأمون أرقى عصور بني العباس قوة وعظمة وثقافة، وهو العصر الذهبي، بما لا يقبل الجدال ودور الانحطاط، إنما بدأ بعد عصر المعتصم باستيلاء الأعاجم على مقاليد الدولة، فخرجت عن عظمتها، وعلق الضعف يدب فيها، والفساد يعبث بكيانها، ولعل سترستين يعد من انحطاط هذه الدولة أن يعهد الرشيد لابن الأغلب عامله على إفريقية (تونس) بأن يؤدي عنها كل سنة أربعين ألف دينار، وينزل عن المعونة التي كان سلفه يأخذها من مال مصر، وقدرها مائة ألف دينار، وجعل الإمارة لعقبه من بني الأغلب يتوارثونها، والواقع أنه قلما عهد من الخلفاء توسيد العمالات للبنين بعد الآباء، وأن إفريقية بهذا الصنيع أصبحت مستقلة في داخليتها، مرتبطة بالخلافة العباسية في أمورها المهمة فقط، فصغرت رقعة الدولة العباسية بالإمارة الأغلبية في إفريقية، ومن ورائها الدولة الرسمية في تاهرت، ودولة إدريس في طنجة، ودولة بني أمية في الأندلس، فانسلخت ممالك من جسم دولة بني العباس في الظاهر، واكتفوا بتوسعهم في أملاكهم في الشرق، وحصروا وكدهم في البلاد الباقية، وفيها ما يستغرق جميع قوى الدولة.

وربما كان مما دعا الرشيد إلى إعطاء هذا الاستقلال كون جمهرة جيوش العباسيين من خراسان وما وراء النهر وغيرها من أرض الترك، والأعاجم كغيرهم تهوي أفئدتهم أبدا إلى بلادهم، وهم أعرف بمداخل بلادهم ومخارجها، وطباعهم أقرب إلى التلاؤم مع هواء المشرق، ولئن كانت جيوش الرشيد مستعدة على الدوام للوثبة على الأعداء، لكن أي الحملات يضمن لها النجاح كل حين، إذا قضى عليها أن تسير عند الاقتضاء من ضفاف الفرات ودجلة إلى المغرب الأقصى، أو من مصر إلى الغرب الأقصى، مع هذه المساوف الطويلة في البر، وهي لا تقل عن بضعة أشهر بسير الجيش.

إذا نظرنا إلى توسيد إمارة إفريقية إلى ابن الأغلب من وجهها الحسن، نقول: إن الرشيد أراد أن يجعل من إفريقية سدا بينه وبين أعدائه من الأمويين، ويترك لبني الأغلب أن يعالجوا شئون الغرب الأقصى والأدنى، وما يقوم فيه النزاع إلى الثورة والخارجون على السلطان، ليتفرغ لشئون مملكته التي أربت بسعتها على مملكة الرومان في أوج عظمتها. أما إذا نظرنا إلى ما جرى من وجهه القبيح، فنقول: إن العباسيين بدءوا على عهد الرشيد ينزلون عن أجزاء مهمة من ممالكهم؛ لعجزهم عن سياستها وإملاء إرادتهم عليها، والانتفاع بها من كل ناحية، بيد أن الرشيد لم يعهد لابن الأغلب بولاية إفريقية إلا لما استشار أولياءه،

168

وفي مقدمتهم أعظم قواده هرثمة بن أعين، وكان ولي إفريقية وخبر أحوالها، وتولى الآغالبة قتال الأباضية وبني إدريس بن عبد الله الظاهر ملكهم يومئذ بالمغرب، وفتحوا صقلية ومالطة وجزائر البحر، ووسعوا بما فتحوا ملك الإسلام تحت علم الخلافة العباسية، وعمرت إفريقية وغيرها من الأقطار والجزائر التي فتحوها عمرانا لا نظير له من كل وجه.

وعهد الرشيد في سنة 175ه إلى ولده محمد الأمين، ومحمد بن خمس سنين، قال اليعقوبي أخرجه إلى القواد فوقف على وسادة، فحمد الله وصلى على نبيه، فقام عبد الصمد بن علي فقال: أيها الناس، لا يغرنكم صغر السن، فإنها الشجرة المباركة أصلها ثابت وفرعها في السماء، ولقد اضطر الرشيد إلى هذه البيعة لتطاول أعناق كثير من بني العباس للخلافة، ولكن ما عزي من الكلام إلى عبد الصمد بن علي فيه نظر؛ لأنه أشبه بالهزل

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ٣٤٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ٣٤٠