تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وحمل المهدي عيسى بن موسى على خلع نفسه من ولاية العهد، وبايع لابن المهدي موسى بن محمد الذي لقب بالهادي، وكان المهدي في آخر أيامه يود لو تنحى ابنه الهادي من ولاية العهد، ويقدم عليه ابنه الآخر هرون، لما رأى من كفاءة هذا. وفي أيام المهدي خرج نائبه دحية بن مصعب بن الإصبغ بن عبد العزيز بن مروان بصعيد مصر، ومنع الأموال ودعا إلى نفسه بالخلافة، وملك عامة الصعيد، وقاتل العباسيين مدة فأعجزهم.

كانت الخيزران أم الهادي تتدخل في أمور السلطان لقضاء حوائج الناس، فمنعها ابنها من ذلك، وكانت تفتات عليه في أموره، وتسلك به مسلك أبيه من قبله، في الاستبداد بالأمر والنهي فأرسل إليها، ألا تخرج من خفر الكفاية إلى بذاذة التبذل، فإنه ليس من قدر النساء الاعتراض في أمر الملك، وعليها بصلاتها وتسبيحها وقبلتها، ولها بعد هذا طاعة مثلها فيما يجب لها، وحرضها ألا تفتح فاها في حاجة لملي ولا ذمي، وحلف أن يضرب عنق كل من يقف على بابها من قواده وخاصته وخدمه. •••

بويع للرشيد عند موت أخيه الهادي، وكان أبوهما عقد لهما بولاية العهد معا، وكانت حدثت الهادي

161

نفسه بخلع الرشيد، وجمع الناس على تقليد ابنه العهد بعهده فأجابوه، وأحضر هرثمة بن أعين فقالوا له: تبايع يا هرثمة؟ فقال: يا أمير المؤمنين يميني مشغولة ببيعتك، ويساري مشغولة ببيعة أخيك، فبأي يد أبايع، والله يا أمير المؤمنين ما أكدت في الرقاب من بيعة ابنك أكثر مما أكده أبوك لأخيك في بيعته، ومن حنث في الأولى حنث في الأخرى، ولولا تأول هذه الجماعة بأنها مكرهة، وإسرارها فيك خلاف ما أظهرت، لأمسكت عن هذا، فقال لجماعة من حضر: شاهت وجوهكم، والله لقد صدقني مولاي وكذبتموني، ونصحني فغششتموني، وسلم إلى الرشيد ما قدره الهادي فيه.

ومن الغريب أن سلم على الرشيد بالخلافة، وهو في الثانية والعشرين من عمره، كل من عمه سليمان بن المنصور، وعم أبيه المهدي وهو العباس بن محمد، وعم جده المنصور وهو عبد الصمد بن علي، وبويع له بإجماع الأمة ما عدا جزيرة الأندلس،

162

وكانت سياسة الرشيد رشيدة في شئونه الداخلية والخارجية، غزا الروم حتى وصل إلى اسكدار من ضواحي القسطنطينية أيام ولايته العهد، وتغلغل مرة ثانية في بلادهم وغزاهم في خلافته بضع غزوات، وأخذ منهم هرقلية، وبعث ملكهم إليه بالجزية عن رعيته وعن رأسه ورأس ولده وبطارقته، واشترط عليه الرشيد ألا يعمر هرقلية، وأن يكون الحمل في السنة ثلاث مائة ألف دينار، وكان نقفور صاحب الروم نقض العهد الذي كان أعطاه، قال معاوية بن عمرو:

163

وقد رأينا من اجتهاد أمير المؤمنين هرون في الغزو، ونفاذ بصيرته في الجهاد، أمرا عظيما، وأقام من الصناعة (الأسطول) ما لم يقم قبله، وقسم الأموال في الثغور والسواحل، وأشجى الروم وقمعهم، وسمي الرشيد جبار

164

بني العباس؛ لأنه أغزى ابنه القاسم الروم فقتل منهم خمسين ألفا، وأخذ خمسة آلاف دابة بسروج الفضة ولجمها، وأغزى علي بن عيسى بن ماهان بلاد الترك فقتل منهم أربعين ألفا، وسبى عشرة آلاف، وأسر ملكين منهم، ثم غزا الرشيد نفسه الروم وافتتح هرقلية وأخذ الجزية من ملك الروم.

يقول أرباب التواريخ

165

من الإفرنج: إن الرشيد كان بينه وبين شارلمان ملك فرنسا وجرمانيا وإيطاليا في عصره صلات سياسية، وإنهما تبادلا السفراء، وإن الرشيد أرسل هدايا إلى شارلمان، وبعث إليه بمفاتيح القبر المقدس، وإن نصارى الشام نفس من خناقهم عقبى هذه العلائق بين ملكي الإسلام والنصرانية. ولا أثر لهذه الرواية في تواريخ العرب. ويقول

166

رينو: إن هرون الرشيد بعث وفدا إلى شارلمان، وكان شارلمان قبل ذلك قد أرسل رسولا يهوديا اسمه إسحق، مصحوبا باثنين من الفرنسيس للسلام على الخليفة، فعاد الوفد من الشرق إلى الغرب يحمل إلى شارلمان هذا شيئا من المنسوجات وفيلا وطيوبا ومعطرات، ومن جملة الهدية شمعدان من نحاس أصفر عظيم الحجم، وساعة من نحاس أصفر أيضا تتحرك بالماء وتدق اثنتي عشرة مرة بعدد ساعات النهار، وأبلغ الوفد شارلمان ما قال له الرشيد من أنه يضع مودته فوق مودة جميع الملوك.

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ٣٣٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ٣٣٩