أخذ أهل المدنيات الحديثة بالطلاق في مجتمعاتهم على العهد الأخير، ولا يبعد أن يدخل عليهم بعد قليل بمقياس أوسع مما كان عند المسلمين، فإنه يتم في الولايات المتحدة الأميركية كل سنة أكثر من مائتي ألف طلاق، وفي أوروبا يبت في عشرات الألوف من هذه القضايا ولا سيما في فرنسا، وقد كان الطلاق مألوفا معروفا عند الأمم القديمة كالعبرانيين واليونان والرومان، وكان للروماني الحق أن يقتل زوجته، وكثر الطلاق في عهد الجمهورية الرومانية، ولو لم تعدل النصرانية من شرة الطلاق عند الأمم التي دانت بها؛ لظل الطلاق يقضي على المرأة إلى القرون الأخيرة.
ومن الغريب أن يصبح الطلاق اليوم عند المسلمين إلى جانب القلة، ويكثر عند من كانوا إلى أمس ينكرونه أشد الإنكار، وما فتئ يزيد مع الأيام انتشارا، أبيح الطلاق للضرورة وهو محظور في نفسه، وفي الحديث: «لا تطلقوا النساء إلا من ريبة، إن الله لا يحب الذواقين ولا الذواقات.» وفيه أيضا: «أبغض الحلال عند الله الطلاق.» وورد في آيات الطلاق ضروب من الرفق بالمرأة وأساليب في إقصاء الرجل عن الإقدام على الطلاق ما أمكن، قال تعالى:
فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا ،
وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما ،
وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير ،
27
فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا ،
يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة واتقوا الله ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا * فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف وأشهدوا ذوي عدل منكم ،
وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا .
أما تعدد الزوجات للضرورة التي أباحها الشرع بقيود، كما هو منطوق الذكر الحكيم فهو أيضا مما أخذ يخف بين المسلمين، ولا يلجأ إليه إلا للضرورة الحافزة في البوادي والقرى على الأكثر، أبيح تعدد الزوجات بشرط العدل بين الزوجات وإلا منع، قال تعالى:
فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة
والمراد بالعدل هنا: العدل في القسم، أي المبيت والنفقة لا العدل في ميل القلب، وهو المنفي في قوله:
ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل ، قال سريو وهو من المشهود لهم بحل الأحكام الإسلامية: «أجيز
28
الطلاق، ولكن وضعت له قواعد تفضل إلغاء طلاق مستعجل لم يترو فيه، ولكي يكون الطلاق مما لا يقبل الرجعة تلزم ثلاث طلقات يفصل بين كل منها قروء
29
معينة.» وقد رد لبون على الاقتصادي «لوروا
30
بوليو» يوم زعم هذا أن نظام تعدد الزوجات عند المسلمين كان من موجبات جمودهم، فقال: «إن تعدد الزوجات المشروع عند الشرقيين أحسن من تعدد الزوجات الريائي عند الأوروبيين، وما يتبعه من مواكب أولاد غير شرعيين.» وقال: «إن النساء المسلمات قد أخرجن في الدهر الغابر من المشهورات العالمات بقدر ما تخرج مدارس الإناث في الغرب اليوم.»
وما كان تعدد الزوجات في الإسلام من موجبات انحطاط أهله على ما صوره الشعوبيون، بل دعا لأول أمره إلى تكثير سواد المسلمين يوم كانوا في حاجة إليه، وكان الرجال أقل من النساء بتواتر الحروب والفتوح، وبه حفظ كيان المسلمين، ولولاه لدثرت عدة بيوت لقلة النسل فيها، فلما رقي الزمن وكثرت مطالبه خف تعدد الزوجات بطبيعة الحال، وما كان الإسلام مبتدعا في هذا التعدد، فإن ذلك كان من المألوف عند الأمم، حتى إن موسى وداود أكثرا من الأزواج، قال لبون: «إن شيعة المورمون الأميركية القائلة بتعدد الزوجات لم يمنعها اعتقادها هذا من الارتقاء، ومن منتحليها من يتزوج عشر نساء، وقد كان البرتستانت هناك حاربوها إبان ظهورها حرب إبادة وتدمير، فهرب من دانوا بالمورمونية إلى ولايات أخرى، ونشأت لهم في خمسين سنة مدنية زاهرة، وأسسوا بكدهم في أرض كانت قفراء ممحلة ما يغبطون عليه من الصناعات الراقية، والزراعات المتقنة، والمعامل والمصانع، والمدن الزاهرة.» ولقد سئلت إحدى نساء المورمون عن رأيها في تعدد الزوجات، فقالت: «أفضل أن أكون المرأة العاشرة لرجل سام بمداركه على أن أكون الزوجة الوحيدة لرجل متوسط.»