تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هذا غاية ما يقال في حقيقة هذا الاعتقاد، ولطالما حمل شعوبية الغرب على الإسلام بسببه، وهو اعتقاد كان من دواعي فلاح أهله في القرون الأولى وما فسدوا إلا يوم: «ابتلوا بمن فسد

24

من المتصوفة من عدة قرون، فبثوا فيهم أوهاما لا نسبة بينها وبين أصول دينهم، فلصقت بأذهانهم لا على أنها عقائد ولكنها وساوس، قد تملك الجاهل وتربك العاقل، فنشأ الكسل بين المسلمين، وعاونهم على الاسترسال فيه ملوكهم، وهذا الضرب من المتصوفة جاءهم من الآريين، أي من الفرس والهنود.»

وإنا لنرى الاعتقاد بالقضاء والقدر في مذاهب الغربيين أشد ظهورا في كتابهم منه في الإسلام، وآيات القدر في الكتاب المقدس تربو على ما ورد في القرآن الكريم من نوعها، وما نجح أهل النصرانية والإسلام في الحقيقة إلا يوم اعتدلوا في اعتقاد ما اعتقدوه، وأخذوا مختارين بالأسباب والمسببات. ومن الإنصاف أن لا نحكم على الغربيين بما نشاهد من سخافات عامتهم، وما انغمسوا فيه من اعتقاد الخرافات، ومقاومة البديهة في كل ما يرده العقل السليم، ومن حسن الذوق أن لا يحمل الغربيون علينا بعمل العوام منا، وما كان العامة يوما المعيار الذي يحكم به على أمة، ذلك أن الخاصة كانوا في كل عصر لا إلى إفراط ولا تفريط في هذه المسائل؛ لأنهم حكموا العقل وأولوا النصوص، وساروا في مسائل الدين والدنيا بروح عصورهم، ولم يخرجوا عن حدود المعقول في المنقول، وأنت ترى أن هذه العقيدة التي كانت من محسنات الإسلام، أصبحت للجهل الطارئ من مضعفاته؛ ذلك لأن أهل المجتمع الإسلامي لم يعملوا بهذه العقيدة قلبا وقالبا كما كان أجدادهم في الدهر الخالي، ولا نبذوها من أصلها فاتكلوا على عملهم فقط، والضعف يعرض لأرقى المجتمعات فيفسد الصالح، والعوارض تهجم على الأمم، ولا تزال تتوالى عليهم ما توالى الليل والنهار.

هذا، ومن تدبر الآيات الكثيرة الواردة في الكتاب العزيز في الحث على العمل، ومن ألم إلمامة خفيفة بسيرة الرسول والصحابة، يعرف أن عقيدة القضاء والقدر ما منعت المسلم يوما من تعاطي الأسباب، فقد قال تعالى:

وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله ،

وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم ،

وسيرى الله عملكم ،

ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم ،

يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم ،

والله معكم ولن يتركم أعمالكم ،

25

وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئا ،

26

نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون ،

وإن كلا لما ليوفينهم ربك أعمالهم ،

وليوفيهم أعمالهم وهم لا يظلمون ،

أني لا أضيع عمل عامل منكم ،

فنعم أجر العاملين ،

لمثل هذا فليعمل العاملون ،

إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه ،

وتوفى كل نفس ما عملت ،

من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ،

يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا ،

ووفيت كل نفس ما عملت وهو أعلم بما يفعلون ،

فأصابهم سيئات ما عملوا ،

ووجدوا ما عملوا حاضرا ،

ليذيقهم بعض الذي عملوا ،

إلا من آمن وعمل صالحا فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا ،

ولكل درجات مما عملوا وليوفيهم أعمالهم وهم لا يظلمون ،

فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ،

سيجزون ما كانوا يعملون ،

جزاء بما كانوا يعملون ،

ويقول ذوقوا ما كنتم تعملون ،

وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ،

أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم .

تعدد الزوجات والطلاق

أصبحت بعض المشكلات التي نال بها شعوبية الغرب من الإسلام قرونا طويلة، مما لا يستنكر أمره عند الغربيين اليوم، ومن ذلك ما كان بعض مؤلفي الغرب يعدونه من جملة العوامل في انحطاط المسلمين، كالطلاق وتعدد الزوجات.

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ٣٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ٣٣