تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقال لبون

31

أيضا: «ما جاءت العرب في تعدد الزوجات بأمر بدع؛ فقد كان هذا الزواج شائعا قبل الإسلام عند العرب واليهود وغيرهم من أمم الشرق، دعت إليه ضرورة الحياة عندهم، وضرورة الهواء والعنصر، وأمور أخرى في حياة الشرقيين، فإن تركيب جسم المرأة، وضرورة الولادة والأمراض وغيرها تضطرها أحيانا أن تبتعد عن زوجها، وأصبح من المتعذر تحت سماء الشرق وفي هواء مثل هوائه، ولمزاج المشارقة الخاص، الصبر على هذا البعاد، فغدا زواج اثنتين ضربة لازب،

32

وفي الغرب يتطلب المناخ من أهله أقل من ذلك. والزواج من واحدة مذكور في قوانين الغرب فقط، وقل أن كان محتفظا به في الأخلاق، ولماذا كان الضر الشرعي عند الشرقيين دون الزواج بواحدة عند الأوروبيين، على ما فيه عند هؤلاء من النفاق والرياء؟ ونحن نعرف مكانة الزوجين وأهواءهما، ثم إن الشرقيين يرون الاستكثار من النسل ويحبون عيش الأسرة والبيوت، وما عرف عنهم من الشعور بالعدل لا يسمح لهم أن يتخلوا عن المرأة الشرعية التي لم ترقهم، كما هو الشأن في الغرب؛ ولذلك وافقت الشريعة على ما كان راسخا من هذا القبيل في الأخلاق، ولا يبعد أن تقر قوانين أوروبا الضر ذات يوم كما هو في الشرق لسرايته إلى الأخلاق. ثم إن من البيوت القائمة على الزرع والضرع في الشرق ما يضطر صاحبها إلى التزوج من ثنتين، وقد يكون ذلك بإلحاح من الزوجة الأولى لضعفها وحدها عن تعهد شئون البيت والزراعة، يضاف إلى هذا غرام الشرقيين بالإكثار من النسل، وعدهم من الشقاء أن لا يولد لهم أولاد، ومنهم من يتزوج لهذا الغرض.

إلى أن قال: إن المنافسة والحسد لا شأن لهما في هذا الزواج من ثنتين، فأكثر أوهامنا الأوربية تقنعنا، ولا شك، بأنه من المتعذر أن تكون الحال كذلك، ولا نستحسن هذا؛ لأننا نراه من المستحيل، وما ذلك إلا لأننا نعقل أبدا بعواطفنا، ولا نحاول أن نتمثل عواطف غيرنا، وفي بضعة أجيال تزول أو تقوم بعض الأوهام، فعلينا أن ندرك كم تغير رأينا في هذا الموضوع، عندما رجعنا إلى العصور الابتدائية للمجتمعات، وقد كانت فيها النساء مشتركات بين أفراد القبيلة الواحدة، أو إلى العصور الأقرب منها وإلى أيامنا، حيث نجد هذه الأخلاق محفوظة في بعض أنحاء الهند، يكون للمرأة الواحدة عدة أزواج من أسرة واحدة، قال: ولم يقتصر الإسلام على الاحتفاظ بالضر الذي كان شائعا عند العرب، بل أثر تأثيرا حسنا في حالة المرأة ورفع من شأنها، وحسن من حالتها الاجتماعية، فقد رأينا القرآن رفع مقام المرأة أكثر من كثير من قوانيننا الأوربية، وخير طريقة لنقدر قدر التأثير الذي أحدثه الإسلام في تحسين حالة المرأة في الشرق، أن نبحث عما كانت عليه حالها قبل القرآن.»

ثم أورد من الكتاب العزيز الآيات الآمرة بالتوصية بالمرأة وتوسع في بحث أخلاق المسلمين، وفي أن تعدد الزوجات والاعتقاد بالقضاء والقدر لم يكونا السبب في تأخرهم، فقال: إذا أريد البحث في أخلاق أمة لا يكتفى بالبحث في دينها فقط؛ لأن تعاليم الأديان كلها طيبة من حيث الأخلاق، ولو طبقت بحذافيرها لانبسط على الأرض ظل العصر الذهبي، والطريقة المتبعة في مبادئ الأديان تختلف بحسب المحيط والعصر والعنصر وبأسباب أخرى كثيرة؛ ولذلك كانت الشعوب المختلفة وهي تدين بدين واحد، ذات أخلاق متغايرة على الغالب، وهذا ما ينطبق على جميع الأديان المعروفة، ومنها دين المسلمين، فإن قواعد القرآن في الأخلاق تامة، ولكن تأثيرها مختلف بحسب العناصر والبيئات والأجيال. ولقد كانت أخلاق العرب في أوائل الإسلام أرقى من جميع الشعوب التي كانت تعيش لذاك العهد ولا سيما النصارى؛ وما ذلك إلا لأن عدلهم واعتدالهم ورفقهم وسماحتهم مع الأمم المغلوبة، وحرصهم على مراعاة عهودهم، وما امتازوا به من الأخلاق العالية، كل ذلك كان مما يتجلى في صورة مدهشة تناقض سيرة الأمم الأخرى، ولا سيما الأوروبيون على عهد الحروب الصليبية.

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ٣٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ٣٥