تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وخرجت الجيوش الخراسانية عن الطاعة (150ه) فاشتد الأمر على المنصور، وجهز جيشا عظيما، وكذلك كان من الأمير الذي عصا عليه فجرت بين الفريقين وقعة يقال إنه قتل فيها سبعون ألفا، وضرب الجيش العباسي أعناق الأسرى، وكانوا أربعة عشر ألفا، وغلب الخوارج الأباضية على إفريقية (153ه)، وبايعوا أبا قرة أحد رؤسائهم بالخلافة، وجهز المنصور خمسين ألف فارس وأنفق عليهم ثلاثة وستين ألف ألف درهم، وكانت إحدى شيع الخوارج النكرية هي التي قامت بهذه الثورات على الخلافة، ثم استعاد المنصور إفريقية من الخوارج وقتل عامله كبارهم.

وغزا الروم في أيام المنصور ملطية وقالقيلا وهدموا سور ملطية، وعفوا عن المقاتلة والذرية، فأرسل المنصور (سنة 140ه) فعمرها في ستة أشهر، ثم سار ملك الروم إليها في سبعين ألفا، فلما بلغه كثرة المسلمين رجع عنهم. وفي أيام المنصور أيضا احتل الروم طرابلس الشام، وظهر في لبنان رجل من أهل المنيطرة

155 (سنة 142-143ه) وسمى نفسه ملكا، ولبس التاج وأظهر الصليب، واجتمع عليه أنباط جبل لبنان وغيرهم، واستفحل أمرهم، فظهر الجيش العباسي عليهم، وكانت علائق المنصور مع ملك فرنسا (ببين القصير) حسنة، أسرع

156

هذا إلى عقد صلات مع خليفة بغداد، وأرسل في سنة 765م رسلا لبثوا ثلاث سنين حتى رجعوا إلى فرنسا، ومعهم رسل الخليفة، ثم عادوا إلى بغداد ومعهم الهدايا إلى الخليفة. ويقال: إن المنصور

157

حرض ببين على قتال عبد الرحمن الأموي في الأندلس، وكان خلفاء الشرق يحاسنون ملوك الفرنسيس ويتبادلون وإياهم الهدايا والألطاف، وببين هذا لا يزال يغري بعضهم بالإيقاع ببعض، وملوك قرطبة يراسلون قياصرة القسطنطينية الذين كانوا في حرب مع مسلمي الشام وفارس ومصر، وظهر المنصور على من بيضوا في الشام؛ أي لبسوا شعار الأمويين، وكان عرب الشام

158

ندموا على ما أتوا من خذلان بني أمية، حتى تسلط العجم من أبناء خراسان عليهم، فهاجت لذلك واضطربت، وامتنعوا من البيعة لبني العباس، وقاوموهم بجموعهم، وحاربوهم بمن بقي من أحباب الأمويين، ومنهم من ادعى الخلافة، ومنهم من ادعى أنه السفياني نسبة لأحد أبناء أبي سفيان المبشرين بإعادة ملك بني أمية، فالتف الناس حولهم، وكان المقصود من دعوى السفياني تقوية الآمال برجوع دولة بني أمية، ومسألة السفياني عند الأمويين كدعوى المهدي عند العلويين، اختلقوا لها أحاديث وجلبت ويلات على الضعفاء، وقتل المشايعون لها تقتيلا بأيدي الأقوياء، عن مسلمة بن عبد العزيز قال: سمعت العزرمي يقول: سمعت محمد بن علي يقول: النبي ما زال منا والمهدي من بني عبد شمس، ولا نعلمه إلا عمر بن عبد العزيز، وكان الناس يرون موسى بن طلحة بن عبيد الله في زمانه هو المهدي.

كان اليمانيون يذهبون إلى أنه سيظهر فيهم القحطاني المنتظر، والمضريون يعتقدون بالتميمي حتى إن عبد الرحمن بن الأشعث ادعى أنه القحطاني،

159

وكان الحارث بن سريح الذي قام على الأمويين يدعي أنه المهدي وأن الله أرسله لإنقاذ الأمة من الظلم وإقامة حكومة يرضى عنها السواد الأعظم، وبالطبع تكون من آل البيت.

والمنصور

160

أول خليفة استعمل مواليه وغلمانه في أعماله، وقدمهم على العرب، فاقتدى به من بعده من الخلفاء، حتى سقطت قيادات العرب وزالت رياستها وذهبت مراتبها، واستعمل كثيرين من أهل بيته في القيادات الكبرى، واختار من استخلصه من غيرهم للأعمال الصغيرة، واستوزر أبا أيوب المورياني الخوزي وهو فارسي، كما استعمل ابن عطية الباهلي وهو من صميم العرب، فهو الخليفة الذي بدأ بخلط العناصر الإسلامية، وما تشدد في أصول من يستعملهم في شئون الدولة.

وخلع المنصور من ولاية عهده عيسى بن موسى (سنة 147ه) وعهد لابنه المهدي، وجعل لعيسى بن موسى ولاية العهد بعد المهدي، ووجه المهدي في خلافته رسلا إلى ملوك الشرق يدعوهم إلى الطاعة، فدخل أكثرهم في طاعته، فكان منهم ملوك كابل وطبرستان والسغد وطخارستان وباميان وفرغانة وأشروسنة والخرلخية وسجستان والترك والتبت والسند والصين والهند والتغرغز، وغزت جيوشه الروم والهند، وخرج عليه في خراسان يوسف بن إبراهيم فقضى عليه.

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ٣٣٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ٣٣٨