وفرق السفاح الولايات على رجال من آل بيته، وعهد إليهم أن يستأصلوا الأمويين، وكل من يمت إليهم بسبب، ولم تأخذ العباسيين رأفة بأطفال الأمويين ونسائهم وشيوخهم، قتلوا حتى من استأمن منهم، وبحثوا عنهم في كل صوب وحدب، واجتثوا أصولهم وفروعهم، وأخذوا ثاراتهم من أحيائهم بالقتل، ومن أمواتهم بنبش قبورهم، وصلب أشلائهم، وإحراق عظامهم، وتذريتها في الريح، أو بصب اللعنات عليهم، وتسويد صحائفهم، ثم كتب السفاح كتابا عاما إلى البلاد يعطي فيه الأمان للأمويين، وما كان أمانه إلا مدرجة لظهورهم، حتى إذا برزوا للناس قتلوا كل قتلة بلا حكم ولا مسوغ.
وأهم ما وقع بموت السفاح قيام عبد الله بن علي عم السفاح يدعو بالشام والجزيرة إلى نفسه، زاعما أن السفاح جعله ولي عهده من بعده، فجهز المنصور لحربه أبا مسلم الخراساني فاشتد القتال بينهما في نصيبين، ثم انهزم عبد الله والتحق بأخيه في البصرة، واستولى أبو مسلم على جميع ما كان أخذه عبد الله من نعمة بني أمية في الشام.
ولقد كان المنصور كالسفاح ممن لا تأخذهم هوادة في سبيل الملك، وربما كان في شدته على العلويين أكثر من شدته على الأمويين؛ فقد كان في العلويين بقية من قوة يخشى شرها، أما رجال بني أمية فقد قتلوا، ولم يبق منهم إلا عبد الرحمن بن معاوية الذي أفلت من مجازر العباسيين، وذهب إلى الأندلس وأقام فيها ملكا، جمع حوله فيه كل شريد وطريد من آله وأنصارهم، فأرسل المنصور عليه جيشا بقيادة العلاء بن مغيث اليحصبي، فنزل باجة داعيا إلى المنصور واجتمع إليه خلق فسار إليه عبد الرحمن ولقيه بنواحي إشبيلية، فقتل القائد العباسي وجيشه كله، وكان سبعة آلاف، وقع هذا بعد سنة 139ه فقال المنصور في عبد الرحمن الداخل: ما هذا إلا شيطان، فالحمد لله الذي جعل بيننا وبينه البحر، أو كلاما هذا معناه، ولقبه بصقر قريش.
ولما قتل المنصور أبا مسلم الخراساني خرج
152
رجل اسمه سنباذ بخراسان يطلب بثأره، ولما التقى هو وعسكر المنصور، كان سنباذ قد أخذ معه عدة من النساء المسلمات اللواتي قد سباهن، وهن على جمال، فأمر سنباذ بإخراج النساء المسبيات قدام عسكره، فخرج النساء حواسر على الجمال، وصحن صيحة واحدة: وا محمداه، فنفرت الجمال، وكرت راجعة على عسكر سنباذ ففرقتهم، فتبعها عسكر المنصور ودخلوا خلف الجمال، فوضعوا فيهم السيوف وأبادوهم قتلا، وكان عدد القتلى ستين ألفا.
وظهر محمد بن عبد الله العلوي (145ه) في المدينة ودعا إلى نفسه فبايعه أهلها بالخلافة، وقال: إنه خرج
153
غضبا لله، واستولى على مكة واليمن فندب المنصور لقتاله ولي العهد عيسى بن موسى، وقال: لا أبالي أيهما قتل الآخر، يعني إن قتل هذا الخارج فبها ونعمت، وإن قتل عيسى استراح منه ليولي مكانه ابنه المهدي، فحارب محمد حتى قتل، ثم خرج أخوه إبراهيم بن عبد الله بالبصرة فغلب عليها وعلى الأهواز وعلى فارس وأكثر السواد، وشخص عن البصرة في المعتزلة وغيرهم من الزيدية، فبعث إليه أبو جعفر عيسى بن موسى فحارب إبراهيم حتى قتل وقتلت المعتزلة بين يديه.
154
ويقول أرباب التواريخ: إن المنصور لما بلغه خروج إبراهيم بن عبد الله خاف واشتد قلقه، وتحول فنزل بالكوفة ليأمن غائلة الشيعة، وألزم الناس حينئذ بلبس السواد حتى العوام، وجعل يقتل كل من يتهمه أو يسجنه، والشيعة يغلون ويتبايعون سرا لإبراهيم حتى اتسع الخرق، وبقي المنصور لا يقر ولا ينام وحار في نفسه، وحوله بالكوفة مائة ألف سيف كامنة مضمرة للشر. قال الذهبي: لولا السعادة لزال ملكه بدون ذلك، وقيل: إن عسكر إبراهيم بن عبد الله بلغوا مائة ألف، فلو هجم على الكوفة لاستولى على الأمر وظفر بالمنصور: وخشي إن هجمها أن يستباح الصغار والكبار، وكان جنده يختلفون عليه وكل واحد يشير برأي، إلى أن كانت الوقعة بباخمرا على يومين من الكوفة، وقتل إبراهيم وأفلت ابن أخيه إدريس بن عبد الله فأتى مصر وحمله صاحب البريد إلى المغرب، فانتهى إلى أرض طنجة ونودي به إماما سنة 172، ثم خرج الحسين بن علي بن الحسن بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب بفخ على ستة أميال من مكة، فخرج إليه عيسى بن موسى فقتل الحسين وأكثر من معه.