144
والجلد الظاهر، وهناك صدور سليمة، وقلوب فارغة، لم تتقسمها الأهواء، ولم تتوزعها النحل، وليس فيهم التحزب للقبيلة والعصبية للعشيرة،
145
وهم مظلومون يؤملون الدول، ولم يكونوا على العهد الأموي محل الرعاية، بل أقصوهم عن الحكومة، وجلبوا إليهم العمال من الأحزاب العربية، وكان أهل خراسان في أكثر ملك العجم لقاحا، لا يؤدون إلى أحد إتاوة ولا خراجا، فلما جاء الإسلام صالحوا على بلادهم، فلم تسفك بينهم الدماء وخف خراجهم. ومن مرو الشاهجان ظهرت دولة بني العباس (127ه) وصبغ أول سواد لبسته المسودة، وقلما سمع أهل بلد بجيش خراسان إلا سودوا قبل أن يوافيهم؛ أي لبسوا السواد شعار بني العباس ونزعوا شعار المبيضين، أي الأمويين .
قالوا لما جاء الوقت الذي أعد
146
فيه أبو مسلم مستجيبيه خرجوا جميعا في يوم واحد من كور خراسان، وانجفل الناس من هراة وبوشنج ومرو الروذ والطالقان ومرو ونسا وأبيورد وطوس ونيسابور وسرخس وبلخ والضغانيان والطخارستان وختلان وكش ونسف، فتوافوا جميعا مسودي الثياب، وقد سودوا أيضا أنصاف الخشب التي كانت معهم، وسموها «كافر كوبات» وأقبلوا فرسانا وحمارة ورجالة يسوقون حميرهم ويزجرونها «هر مروان»، يسمونها مروان ترغيما لمروان بن محمد وكانوا زهاء مائة ألف رجل.
لما وجه إبراهيم الإمام أبا مسلم الخراساني إلى دعاته بخراسان أعطاه لواء يدعى الظل وراية تدعى السحاب، فعقدهما على رمحين، ومعنى الظل والسحاب أن السحاب يطبق على الأرض فلا تخلو من الظل، كما لا تخلو الأرض من خليفة عباسي آخر الدهر، وجعلت الراية سوداء حزنا على شهدائهم من بني هاشم، ونعيا على بني أمية في قتلهم،
147
وكان الحارث بن سريج لما ثار على بني أمية (سنة 116ه)، وكذلك بهلول الخارجي (سنة 119ه)، وأبو حمزة الخارجي (سنة 128ه) اتخذوا اللواء الأسود شعارا، وما كان أحد منهم في حداد على أحد من آل البيت.
148
وكان إبراهيم الإمام أوصى أبا مسلم باليمانيين، وأن يقتل من يشك فيه من مضر، وإن استطاع ألا يدع بخراسان من يتكلم بالعربية فليفعل، وأي غلام بلغ خمسة أشبار يتهمه فليقتله، فأنفذ أبو مسلم ما أمر به، وقتل أبناء المهاجرين والأنصار في خراسان. واستمر
149
ما كان من الشنآن بين النزارية واليمانية، وتحزب الناس بالمثالب، وثارت بينهم في البدو والحضر، فغلب على خراسان، بضعف الأمويين آخر أيامهم عن إنجاد واليهم عليها، وتخطت عسكره إلى العراق، وما وضع مقاليد الخلافة في أيدي بني العباس بالكوفة حتى كان قتل فيما قيل ستمائة ألف إنسان.
كان آل العباس وآل أبي طالب شرعا
150
في المطالبة بالخلافة؛ ولذلك سموا شيعة آل محمد، ولم يكن إذ ذاك بين بني علي وبني العباس افتراق في رأي ولا مذهب، فلما ملك بنو العباس نفر عنهم فرقة من الشيعة مالت إلى بني علي، واعتقدت أنهم أحق بالأمر، فصار المتشيع هو الذي يعتقد إمامة أئمة الإمامية من بني علي لا الموالي لبني علي والعباس - كما كان من قبل - وكان المنصور أول
151
ملك أوقع الفرقة بين ولد العباس وولد علي بن أبي طالب، وإذ قدر أن يستأثر بالملك آل العباس دون الطالبيين، أصبح هؤلاء بحكم الطبيعة من المخالفين، ونقم الطالبيون على العباسيين وخرجوا عليهم في كل عصر.
أيقن إبراهيم الإمام بأنه مقتول لا محالة بأيدي الأمويين فنعى نفسه إلى أهل بيته، وأمرهم بالمسير إلى الكوفة مع أخيه عبد الله، وأوصى إليه بالخلافة، فسار بأهل بيته وفيهم أخوه أبو جعفر، فأقام بالكوفة شهرا وهو مستخف، ثم ظهر وسلموا عليه بالخلافة، وهو عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس الهاشمي، ولقب بالسفاح؛ لأنه سفح دماء بني أمية، وقال في أول خطبة خطبها «أنا السفاح المبيح والثائر المنيح.» وفي هذه الخطبة يقول ردا على الشامية - أي بني أمية - في قولهم: إنهم أحق بالرياسة والسياسة والخلافة من غيرهم: إن الله لما قبض الرسول إليه قام بالأمر من بعده أصحابه وأمرهم شورى بينهم، «وحووا مواريث الأمم فعدلوا فيها، ووضعوها مواضعها، وأعطوها أهلها، وخرجوا خماصا منها، ثم وثب بنو حرب وبنو مروان، فانتبذوها وتداولوها، فجاروا فيها واستأثروا ... وقام عمه داود بن علي فقال: أيها الناس، إنا والله ما خرجنا في طلب هذا الأمر لنكثر لجينا ولا عقيانا، ولا نحفر نهرا ولا نبني قصرا، وإنما أخرجتنا الأنفة من ابتزازهم حقنا، والغصب لبني عمنا، وما كرهنا من أموركم.»