تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وعجيب في مثل هذه الدولة وبنيانها قائم على العدل واللين ممزوجا بشدة، وقد توفرت لها عامة أسباب البقاء، وعملت للأمة أعمالا لم توفق إليها دولة إسلامية بعدها، ألا يطول عمرها كثيرا، وقضي عليها على أيسر سبب وهي في معظم قوتها. وقد علل أسباب انقراضها باحثان في تاريخها ربما كانا على صواب فيما ارتأياه، قال فال:

139

إن وفاة هشام زعزعت أركان الدولة الأموية، فثارت ثورات أوقد نارها تحريض الشيع المخالفة ودعاتهم، وكان من مظالم الولاة وتنازع الأمويين بينهم ما عجل سقوطهم. ومن أسباب الضعف أن يتعاقب على الخلافة في سنة واحدة ثلاثة خلفاء، الوليد الثاني ويزيد الثالث وإبراهيم، وكان حظ محمد والخلفاء الأول كحظ مملكة الكارولنجيين، توسعت فتوحها في العالم القديم، وانتهت بأن تزرعه بالأنقاض المنتثرة منه، والعوامل في انحلالها كالعوامل في تلك المملكة، فتن داخلية من أجل الملك، ميل الرؤساء إلى خلع ربقة الطاعة، نقمة العناصر والجنسيات ودعاة القوميات.

وقال ليفي ديلافيدا:

140

لا يكفي فساد الوليد الثاني لسقوط الدولة الأموية، بيد أن الوليد هيأ انحلال الدولة بعهده إلى ولديه، وما استطاع الوليد ولا يزيد الثالث، ولا أخوه إبراهيم وضع حد للفوضى، وضعف الإشراف على القاصية واستولى الخارجي الضحاك بن قيس الشيباني على الكوفة، وقام مروان بن محمد القيام المحمود في السنين الثلاث الأولى، بجيش دربه أيام ولايته إرمينية وظهر به على الروم، فذكر بعمله أعمال جده وسميه، وأعمال عبد الملك بعده ببلائه الحسن في توحيد المملكة، إلا أن حاله لم تكن تشبه حالهما، وكان عمله شاقا؛ ذلك لأن البيت الأموي كان قد دخله الوهن، وجفت فيه مادة النشاط أو كادت، وأيقن أعداؤه بنجاح الدعوة للدولة الجديدة، وما كان مروان أمام جيوش مرتجلة، كما كان الشأن في جند ابن الزبير، والعصابات المستبسلة من العلويين، بل كان أمام جيش منظم اعتاد حرب الترك، كان أمام جيش فارسي دربه أبو مسلم الخراساني. هذا وما استطاع الأمويون أن يجعلوا المملكة جسما واحدا متماثلا، وكذلك قصر باع العباسيين بعدهم في هذا السبيل، وكانت مسألة استخلاف الخلفاء في العهدين الأموي والعباسي من المشاكل الصعبة الحل، تتجدد غوائلها كلما مات خليفة.

سياسة العباسيين

لما سلم الحسن بن علي الأمر إلى معاوية بن أبي سفيان، قامت الشيعة من أهل المدينة،

141

وأهل مكة والكوفة والبصرة واليمن وخراسان، فاجتمعوا إلى محمد بن الحنفية فبايعوه على طلب الخلافة، وعرضوا عليه قبض زكاتهم، فولى على شيعة كل بلد رجلا منهم، وأمره باستدعاء من قبله في ستر، على ألا يبوحوا بمكنونهم إلا لمن يوثق به حتى يرى للقيام موضعا، فأقام ابن الحنفية إمام الشيعة حتى مات، وولي عبد الله ابنه من بعده، وأمره بطلب الخلافة إن وجد إلى ذلك سبيلا، وعلم به الخليفة سليمان بن عبد الملك، ولما اجتمع إليه أنكر ما عزى إليه من المبايعة له بالخلافة؛ إذ كان «من

142

الجائز للإمام في حال التقية

143

أن يقول: إنه ليس بإمام.» فقيل: إن سليمان بن عبد الملك دس على عبد الله من سمه في الطريق، وقيل: إنه مرض فأتى الحميمة من أرض الشام، وبها جماعة آل العباس، فعهد قبل موته إلى محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، أن يطالب بالخلافة بعده، وولاه وأشهد له من الشيعة رجالا، فأقام محمد بن علي هذا إماما، ودعوة الشيعة له حتى مات، فلما حضرته الوفاة ولي الأمر إبراهيم بن محمد المدعو بالإمام، فانتبه مروان بن محمد آخر خلفاء الأمويين لما كان منه فقتله، وقيل: إن إبراهيم بن محمد عهد بالخلافة بعده إلى أخيه عبد الله بن محمد بن عبد الله بن العباس عم الرسول.

اختار محمد بن علي يوم قام يحاول انتزاع الملك من الأمويين بلاد خراسان ميدانا لإظهار دعوته؛ لأن أهل الشام والجزيرة والحجاز لم يكن هواهم مع آل العباس، وهم يعلنون ولاءهم للأمويين سرا وجهرا؛ ولأن في أهل خراسان العدد الكثير

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ٣٣٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ٣٣٥