تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كانت الدولة الأموية عربية صرفة برجالها وبكثير من أوضاعها، لم يتول القيادات والنيابات فيها إلا جماعة من أبنائهم، ومن أهل البيوتات العربية المعتمد عليها عندهم، وجيوشهم كلها من أصول عربية لم يمازجها غير قليل من البربر في شمال إفريقية والأندلس، «وكان أمر بني أمية نافذا في جميع العرب بعصبية بني عبد مناف حتى لقد أمر سليمان بن عبد الملك من دمشق بقتل عبد العزيز بن موسى بن نصير بقرطبة فقتل، ولم يرد أمره، ثم اضمحلت عصبية بني أمية بما أصابهم من الترف فانقرضوا.»

132

وكان الأمويون على الأكثر أصحاب ثقافة عربية راقية فيهم المرونة السياسية والإدارية، تمرنوا على قيادة الجيوش وحكم الناس منذ عهد الرسول، وكان أكثر عماله منهم،

133

ولم يكن في عماله ولا في عمال أبي بكر وعمر أحد من بني هاشم، وأثبت الأمويون كفاءتهم الحربية والسياسية منذ قاتلوا الروم يوم اليرموك في الشام، فكان نساؤهم وبناتهم يقاتلن مع الرجال، وما فتحت من كور الشام مدينة إلا وجد عندها رجل منهم ميتا، فكان من الطبيعي أن يحبهم الشاميون ويستميتوا في نصرتهم لأول أمرهم، ومن الطبيعي أن تكون الشام لهم ولأعقابهم دار ملك، ومبعث عزة وسلطان، ومن الطبيعي أن يمتد ظلهم هذا الامتداد العظيم في المشرق والمغرب.

امتد ملكهم من سواحل الأطلنطي إلى بلاد الصين، ومن جبال القوقاز وما وراءها

134

إلى خط الاستواء وما وراءه، ودخلت في الإسلام في عهدهم أمم كثيرة من السلالة السامية (العرب والسريان والكلدان)، ومن السلالة الحامية (المصريون والنوبيون والبربر والسودان)، ومن السلالة الآرية (الفرس واليونان والإسبان والأهاند)، ومن السلالة التورانية (الترك والتتار)، وأمست تتلى آي القرآن في سمرقند كما تتلى في قرطبة،

135

ويتلاقى الهندي مع السوداني في مكة للحج، وكلاهما يدين لبني أمية، وأخذت الجزية من النوبة كما قررها عمر بن الخطاب، ومن الهند والصين على ما قدرها قتيبة، وأصبحت دمشق في نظر المسلمين كرومية في نظر أهل النصرانية.

وصعب في عهد خلفائهم قيام دولة شيعية، على أن الشيعة كانت تعمل منذ طمعت نفس آل أبي طالب في الخلافة، محتجين بأن الرسول أوصى بالخلافة لعلي يوم الغدير بالنص، وأنه وآله معصومون، وأنه مصيب في كل أحواله، وأنه ضل كل من لم يبايعه من الصحابة، ولم تجد هذه الدعوى أنصارا كثارا لها في المسلمين، وكانت الغلبة للجماعة، والأمم تحكم في كل عصر بسوادها الأعظم، وبصفات خاصة في الفاتحين والمتغلبين، وهذه الصفات كانت متوفرة فيمن تولوا بعد الراشدين، واستمات الشيعة في تحقيق أمنيتهم في الخلافة، فمزق بهذا السبب شمل العرب والإسلام أو كاد، وجرت حروب أبيحت

136

بسببها الأموال والدماء، وتشعبت منها آراء ومذاهب، وسرى الاعتقاد بالمهدي المنتظر عند الشيعة إلى أهل السنة، وباسمه قامت أو حاولت أن تقوم دول في المغرب في القرون اللاحقة.

137

وما فتئ الفريقان المتخاصمان يلبسان خلافاتهم على الخلافة ثوبا دينيا، وما وجد الفريق المقهور حرجا في الاختلاق على خصمه وتجسيم غلطاته، وكان هذا يتطلب رضاه بكل حيلة، ويعرف له مكانته وقرابته، حتى اضطر الأمويون بعد حين أن يعاملوا خصومهم بالشدة، والخصمان في نظر التاريخ من البشر، يعشقان الدنيا ويقاتلان عليها المنافس، ولا ينظر في التنظير بين الفريقين، إلا إلى الأثر الذي أثره كل منهما في كيان الأمة. وخرج أعداء الأمويين في التشنيع على أعدائهم، عن حد الاعتدال، فراحوا يخرجونهم عن الملة، وهم مساهموهم في خدمة الدين، بل لقد بذوهم في نشره، وبسط سلطان أهله على العالمين، وما أورثت هذه الخصومات الدنيوية غير تأريث الأحقاد، وفصم عرا الوحدة، والسير في طريق ردب،

138

ما انتهت بغير الإحن والمحن على طول الزمن، سالت الدماء كالأنهار، وقتل ولاة الأمر في الدولة جماعة الشيعة والخوارج بدون توقف، والأمويون كغيرهم من أرباب الدول، لا يرون سلامتهم إلا في قتل من يناصبهم العداء، ولا يتهاملون في القضاء على من يخرج على خلفائهم.

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ٣٣٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ٣٣٤