127
إلى أن كسره مروان بن محمد بعين الجر، فهرب ثم استأمن إلى مروان وبايعه ثم خلعه، واجتمع عليه نحو سبعين ألفا وطمع في الخلافة، فبعث إليه مروان عسكرا فندم سليمان على ما كان منه ومضى إلى حمص فتحصن بها، ثم التحق بالضحاك، ثم بقحطبة
128
بن شبيب أحد قواد العباسيين الذي تولى حرب ابن عمه مروان بن محمد فأحسن البلاء، فحسن موقع سليمان من أبي العباس السفاح العباسي، ثم شعر سليمان أن السفاح يريد قتله فخرج ولحق بالجزيرة، وكتب إلى مواليه وصنائعه فاجتمع إليه منهم خلق كثير، فبعث إليه أبو العباس بعثا ليقاتله فانهزم، ثم بعث إليه بعثا آخر فهزمه أيضا، ثم بعث إليه بعثا آخر فأسره وصلب على دار الإمارة بالكوفة.
رأينا كيف تلونت أحوال السياسة في عهدها الأخير، وكانت في الأيام الخالية متسقة مطردة، وبهذا التناحر بين أبناء العم على الخلافة، دب الفشل في جيش الأمويين، وقتلت هيبتهم في النفوس بهذا الانشقاق البادي بينهم، وكيف يستقيم لهم الأمر كما كان في زمن هشام مثلا، وفي سنين قليلة خرج على خليفة الوقت من أهله بشر بن الوليد بقنسرين، وعمر بن الوليد بالأردن، ويزيد بن سليمان بفلسطين، وسليمان بن هشام بحمص وقنسرين، وبايعه أهل حمص بالخلافة، وخلعوا مروان بن محمد بعد أن قتل من عسكر سليمان بن هشام ثلاثون ألفا، وكان في سبعين ألفا.
ولما انهزم مروان بن محمد الجعدي في الزاب الصغير قرب الموصل أمام جيش بني العباس لم ينفعه تعصبه
129
مع النزارية شيئا، بل غدروا به وخذلوه، ولما اجتاز ببلاد قنسرين وخناصرة أوقعت تنوخ بساقته وجاز حمص فناوشه أهلها القتال، وكان قاتلهم غير مرة وقتل من رجالهم ومثل بهم، ووثب به في دمشق الحارث بن عبد الرحمن الحرشي، فما آوته دمشق عاصمة آبائه، ورحل بجيشه إلى الأردن فوثب بها هاشم بن عمرو العنسي والمذحجيون - أي اليمانون جميعا - ثم مر بفلسطين فوثب به الحكم بن ضبعان لما رأوا من إدبار الأمر عنه.
وكان مروان لما وسدت إليه الخلافة ودخل دمشق ترك لأهل كل جند من أجناد الشام أن يختاروا عمالهم، فوقع اختيارهم على هؤلاء العمال الذين ثاروا بهم بعد على مروان، وخذلوه أي خذلان، وجعل مروان يستقري
130
مدن الشام فيستنهض أهلها، فيروغون عنه ويهابون الحرب فلم يسر معه منهم إلا قليل، بل لقد انقلب عليه من كان مواليا لدولته، وقتل أهل مصر واليهم، وقتل أهل حمص واليهم، واكتفى أهل المدينة بإخراج عاملهم، وخرج عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب بالكوفة، فانهزم ومضى إلى فارس فغلب عليها وعلى أصبهان، والفتنة انتشرت في أنحاء البلاد كلها حتى انهزم مروان وهبط مصر، فلحق به الجيش العباسي فقتل في بيعة في بوصير من أرض الصعيد وبه انحل ملك الأمويين في الشرق. •••
أهم الأسباب التي عجلت القضاء على ملك بني أمية تحكم أهواء المتأخرين من الخلفاء في قوادهم العظام، فابتعد العارفون الصادقون عن الخدمة، ودخل الأغمار الأغرار، أبعدوا أولياءهم، كما قال أبو مسلم الخراساني، ثقة بهم، وأدنوا أعداءهم تألفا لهم، فلم يصر العدو بالدنو صديقا، وصار الصديق بالبعاد عدوا، ومنها إلقاء بذور الخلاف بين النزارية والمضرية، وقيس ويمن، واعتصام خليفة بهذا، وآخر بذاك، فمروان بن محمد اصطفى قيس عيلان وانحرف عن اليمن، وباداها العداوة فصارت
131
عليه إلبا، وله حربا، وما عطف بنو أمية على العراق وخراسان العطف المطلوب فظاهروا غيرهم، وكان تنازع رؤساء العرب في خراسان على الولاية، وانقسام الجيش إلى مضري ويماني من العوامل أيضا في ظهور أعداء الأمويين عليهم، ثم إن الأمويين توسعوا في الفتوح، حتى اتسعت دائرة ملكهم إلى ما لم تبلغه دولة الرومان، فقد استطاعوا أن يقضوا على الطالبيين الذين نازعوهم سلطانهم في الأقطار القريبة من دار ملكهم، ولكنهم لم يستطيعوا أن يقضوا على رجل من الخوارج الصفرية اسمه ميسرة لما قدمه البربر في شمالي إفريقية سنة 122 وبايعوه بالخلافة، وخوطب في طنجة وما إليها بأمير المؤمنين، هذا والأمويون كانوا في أوج سلطانهم.