تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

123

وتقدمت جيوشه في الشرق فغزا الترك وفتح الفتوح العظام.

وأتت نوبة الوليد بن يزيد لتولي الخلافة، فعقد لابنيه الحكم وعثمان بولاية العهد من بعده، وأساء السيرة وانتحى على أهله وجماعة من قريش، وأحدث الأحداث العظيمة وسفك الدماء، وقتل خالدا القسري فأغضب اليمانية، واشتد على بني هشام وأضر بهم، وضرب سليمان بن هشام مائة سوط وحلق رأسه ولحيته وغربه إلى عمان، وحبس يزيد بن هشام، فرماه بنو هشام وبنو الوليد، وكان أشدهم قولا فيه ابن عمه يزيد بن الوليد بن عبد الملك، وكان الناس إلى قوله أميل؛ لأنه كان يظهر التنسك

124

فألحت عليه القدرية، وكان قدريا يرى رأي غيلان، وقالوا له: لا يحل لك إهمال أمر الأمة، وأجابته اليمن بأسرها، وقاتل الوليد بمن كان معه من المضرية، وأثخنت اليمانية القتل في مضر، إلى أن أحاطوا بالوليد بحصن البخراء من أرض تدمر، وذبحوه وحملوا رأسه على رمح فطيف به في دمشق، وبايع المضريون ليزيد بن الوليد طوعا أو كرها، فاضطربت عليه البلدان، وسمي الناقص؛ لأنه نقص من عطاء الناس، ومما خطب به القوم يستميلهم «فإن وفيت لكم بما قلت، فعليكم بالسمع والطاعة وحسن المؤازرة، وإن لم أف فلكم أن تخلعوني إلا أن أتوب، وإن كنتم تعلمون أن أحدا ممن يعرف بالصلاح يعطيكم من نفسه ما قد بذلت لكم، وأردتم أن تبايعوه، فأنا أول من يبايعه معكم.» وفي أيامه خرج يحيى بن زيد من آل البيت بأرض الجوزجان فوجه نصر بن سيار صاحب خراسان أحد رجاله، فقتل زيد في المعركة، ولما قتل الوليد خرج أهل حمص وأغلقوا أبواب المدينة، وأقاموا النواح والبواكي عليه، وطلبوا بدمه، قالوا:

125 «إن المضرية تلاومت فيما كان من غلبة اليمانية عليها، وقتلهم الخليفة الوليد بن يزيد، فدب بعضهم إلى بعض، واجتمعوا من أقطار الأرض، وساروا حتى وافوا مدينة حمص، وبها مروان بن محمد بن مروان بن الحكم، وكان يومئذ شيخ بني أمية وكبيرهم، وكان ذا أدب كامل ورأي فاضل، فاستخرجوه من داره وبايعوه، وقالوا له: أنت شيخ قومك وسيدهم فاطلب بثأر ابن عمك الوليد بن يزيد، فاستعد مروان بجنوده في تميم وقيس وكنانة وسائر قبائل مضر، وسار نحو مدينة دمشق فاقتتل جيشه مع جيش يزيد بن الوليد في ثنية العقاب وانهزم الحمصيون، واستولى يزيد على حمص، ووثب أهل فلسطين، وأحضروا يزيد بن سليمان بن عبد الملك فجعلوه عليهم، فدعا الناس إلى قتال يزيد الناقص فأجابوه إلى ذلك، وبلغ يزيد ذلك فأرسل إليهم جيشا مع سليمان بن هشام بن عبد الملك، ووعد كبراء فلسطين ومناهم، فتخاذلوا عن صاحبهم، وأخذ سليمان البيعة من أهل طبرية والرملة ليزيد بن الوليد.»

ومات يزيد بن الوليد بعد ستة أشهر من خلافته، فخلفه أخوه وولي عهده إبراهيم بن الوليد، وقيل: إن أخاه لم يعهد إليه ولكنه استولى بغير عهد، وقيل لم يتم له الأمر، فكان قوم يسلمون عليه بالخلافة، وقوم يسلمون عليه بالإمرة، وأبى قوم أن يبايعوا له، وأقبل مروان بن محمد من إرمينية داعيا إلى نفسه في جيش من أهل الجزيرة، وكان القوم بايعوا لإبراهيم بن الوليد ولعبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك من بعده، ودخل مروان دمشق فخلع إبراهيم نفسه وهرب وتوارى حتى أمنه مروان ودخل في طاعته، وكان أهل حمص لم يبايعوا إبراهيم، وكان مروان أخاه لأمه، ثم قتل مروان بعد أخذ البيعة له إبراهيم بن الوليد وعبد العزيز بن الحجاج، ونبش عسكره قبر يزيد بن الوليد وصلبوه على باب الجابية بدمشق، وسمي مروان بالجعدي نسبة للجعد بن درهم، الذي لقنه مذهبه في القدر والقول بخلق القرآن،

126

وأخذ مروان بحزمه يقضي على النازين على الخلافة كقضائه على فتنة ثابت بن نعيم الجذامي لما خرج عليه ببلاد طبرية والأردن، ودخلت خوارج اليمن مكة والمدينة يدعون لعبد الله بن يحيى الكندي الأباضي، فجهز مروان جيشا وقاتل هؤلاء الخوارج في الحجاز، ثم في اليمن، وقتل في ذلك خلق كثير، ودخل داعية عبد الله بن يحيى طالب الحق إلى مصر فبايع له ناس من تجيب وغيرهم، فاستخرجهم عامل مروان فقتلهم، وقاتل مروان الضحاك بن قيس الشيباني الحروري، وكان قوي أمره في أرجاء الكوفة حتى بلغ جيشه - فيما قيل - مائة وعشرين ألفا، فأرسل إليه ابنه عبد الله وما زال يحاربه حتى قتله، ثم قتل من خالفوه من الحرورية، وكان ممن لحق بالضحاك بن قيس هذا سليمان بن هشام بن عبد الملك، وبايعه بعد أن اختلفت به الأحوال منذ خرج من سجن الوليد في عمان وثار فأخذ ما كان بها من الأموال، وأتى دمشق فلحق أولا بيزيد بن الوليد، فولاه بعض حروبه

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ٣٣٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ٣٣٢