تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكان عمر بن عبد العزيز يشعر أن يزيد بن عبد الملك لا يسير بعده بسيرته، بل يسير بسيرة أخيه على طريقة الملكية المطلقة، يجمع الأموال ويبددها، ويقتل ولو على الشبهة لما يعتقد أن فيه سلامة الدولة، فلما بويع ليزيد أعاد سب علي على المنابر، وأرجع الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل سلفه، وكتب إلى مصر بمنع الزيادة التي كان عمر بن عبد العزيز أمر لأهل الديوان بها فمنعوها،

115

وأتاه

116

قوم من قريش وخيار بني أمية، وكانت قلوبهم قد سكنت إلى هدي عمر واطمأنت إلى عدله، فاتهم منهم نفرا بالخلع والخروج فأسكنهم السجن عشرين شهرا، ثم دس لهم السم فماتوا جميعا، وأقصى من سائر قريش ثلاثين رجلا، بعد أن صادرهم وعذبهم، وصلب من الناس جملة ممن ألف هؤلاء القوم واتهم بمصانعتهم ومصاحبتهم، وقيل: إن يزيد بن عبد الملك

117

لما ولي الخلافة قال: «سيروا بسيرة عمر بن عبد العزيز فأتوه بأربعين شيخا فشهدوا عنده أن الخلفاء لا حساب عليهم ولا عذاب، وكان طائفة من الجهال الشاميين يعتقدون هذا.»

كان يزيد بن عبد الملك على غير طريقة إخوته، قرب القيسيين وأقصى اليمانيين، خلافا لما جرى عليه أخوه سليمان، وبذلك استهدف لغضب اليمانيين، وهم الكثرة الغامرة في جيوش الشام، وفي أيامه وثب بالبصرة يزيد بن المهلب وتسمى بالقحطاني، ونصب رايات سوداء، وقال أدعو إلى سيرة عمر بن عبد العزيز فقتله أمير العراقين مسلمة بن عبد الملك، وكانت أيضا ملحمة كبرى عند باب

118

الأبواب التقى الجراح الحكمي وهو والترك فانكسروا بعد قتال عظيم، وكان

119

يزيد جعل ولاية العهد من بعده لهشام، ثم بدا له أن يبايع بولاية العهد لابنه الوليد، فأقنعه خالد بن عبد الله القسري بالعدول عن ذلك؛ لئلا تقع العداوة والشر بينهم، ويجد الناس السبيل إلى الطعن فيهم والاختلاف عليهم، وصير الوليد ولي العهد بعد أخيه هشام.

وجاء هشام بن عبد الملك يتولى الخلافة، وهو آخر من تولاها من ولد عبد الملك، تولاها هو ويزيد وسليمان والوليد، فلقب هؤلاء الإخوة الأربعة بالأكبش الأربعة، ولقب والدهم عبد الملك بأبي الأملاك لتولي الخلافة أربعة من أولاده. تولى هشام فلم يخرج

120

عليه خارج، ولم يقم عليه قائم، اللهم إلا زيد بن علي في بعض نواحي الكوفة، فقتله ابن هبيرة، فعظم قتله على هشام، وأقصى ابن هبيرة وصادره، وقال الخليفة: إن ابن هبيرة لم يزل مبغضا لأهل البيت من آل هاشم وآل عبد المطلب، وإني ما زلت محبا لهم حتى أموت، وكانت سياسته رشيدة وكتب له التوفيق في فتوحه، وما سارت طريقة الجباية سيرا أحسن من سيرها في أيامه، وكان النظام في الأخذ والعطاء على أتمه، وزعم مؤرخو النصارى

121

أن هشاما أتى على ثروة الذميين والمسلمين، فثارت ثورات من تطبيق قوانين الجباية عليهم، وعم البلاد الشقاء والفاقة، وفي أيامه دخل الخوارج إلى الشام، وأعقب ذلك خلل في الجيش، وحاول فان فلوتن

122

أن يثبت أن الجباية كانت فاحشة في عهد الأمويين، وأن من الثورات ما نشب بتأثر تلك المظالم والضرائب، لكن لم يأت ببراهين مقنعة، بل استنتج استنتاجا ضعيفا واستقرى استقراء ناقصا. ويقول الطبري: إنه كان لا يدخل بيت مال هشام مال حتى يشهد أربعون قسامة أنه أخذ من حقه، وأعطي لكل ذي حق حقه، ومن كان هذا شأنه في أخذ ما حل له كيف يستحل أخذ أموال الذميين والمليين بالباطل، ولكن من الرعية من لا يرضيهم شيء حتى ولو أعفوا من كل ضريبة. قال أرباب السير من العرب: إن السواس ثلاثة في بني أمية، وهم معاوية وعبد الملك وهشام، وبه ختمت السياسة وحسن السيرة، وأجمعوا على أنه لم يكن في بني أمية ملك أعظم من هشام، أخذ الجزية من الروم والفرس والترك والفرنج والزنج والسند والهند، ولم يجترئ أحد معه على ظلامة، وهو «رجل محشو عقلا»، وغزا هشام الروم عدة غزوات موفقة، وكان الأسطول يشترك مع الجيش البري من اليابسة، وذلك بقيادة ابنيه معاوية وسليمان، وأسر قسطنطين ملك الروم،

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ٣٣١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ٣٣١