تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

112

في أجبال، لا يرون عارا في هزيمة تكون لهم منجاة. وقال عن البربر: إنهم أشبه العجم بالعرب لقاء ونجدة وصبرا، وفروسية وسماحة وبادية غير أنهم غدر. وقال عن الإسبان: إنهم ملوك مترفون، وفرسان لا يجبنون. ووصف الإفرنج: بأن هناك العدد والعدة، والجلد والشدة، وبين ذلك أمم كثيرة ومنهم العزيز ومنهم الذليل، وكل قد لقيت بشكله فمنهم المصالح ومنهم المحارب، وما عامل الخليفة سليمان بن عبد الملك موسى بن نصير ولا قتيبة بن مسلم بما يستحقان لما قدما من خدمة الدولة؛ فقد قتل قتيبة بن مسلم فاتح خوارزم وسمرقند وبخارى، وضارب الجزية على ملك الصين؛ لأنه أظهر الخلاف وأثار الجيش على الخليفة فيما قيل، وقتل عبد العزيز بن موسى بن نصير توهما منه أنه يستقل بالأندلس، وبعث سليمان إلى الروم بأخيه مسلمة بن عبد الملك وعمر بن هبيرة فلقيا جهدا وفتحا بعض مدن الروم، وكان أول من ضرب بسيفه باب القسطنطينية وأذن في بلاد الروم أحد بني عامر بن صعصعة، وكان مع مسلمة فأراد قيصر قتله فقال: والله لئن قتلتني لا تبقى بيعة في بلاد الإسلام إلا هدمت.

113

ومن أهم ما عمله سليمان عهده لابن عمه عمر بن عبد العزيز بالخلافة ومن بعده لأخيه يزيد، وذلك بإشارة وزيره رجاء بن حيوة، فدل على بعد نظر، وحب الخير للأمة، فدعي مفتاح الخير، ولم يكد عمر بن عبد العزيز يقبض على زمام الخلافة حتى استدعى من الروم جيش المسلمين لما لقوا من الجهد، وطلب إلى عامله على الأندلس أن يرسم له مصورها؛ لأن المسلمين هناك محاطون بالأعداء، بعيدون عن مقر الخلافة، وكان من رأيه أن يجليهم عن أرضها، وكتب إلى عامله في بلاد ما وراء النهر بإقفال المسلمين بذراريهم إلى البلاد التي أظلها سلطان العرب منذ سنين، قائلا: حسب المسلمين الذي فتح الله عليهم؛ ذلك لأن عمر بن عبد العزيز كان يضن بدماء قومه، ولا يحب التوسع في الفتوح، ويحرص على إصلاح البلاد وأهلها، وفي أيامه سكنت الخوارج فلم يثوروا، وكان ناقشهم وأفحمهم، وعطف على الطالبيين ووسع عليهم، فكانوا عنه راضين، وأبطل لعن أبي تراب علي بن أبي طالب من منابر الإسلام، وكان بنو أمية يسبون عليا من سنة إحدى وأربعين، وهي السنة التي خلع فيها الحسن نفسه من الخلافة.

وكانت علاقة عمر مع الروم سلمية، ولما بلغ صاحب القسطنطينية نعيه نزل عن سريره وبكى، وذكر من مآثر عمر أمام وفد من العرب - كان ذهب للفداء بين العرب والروم - ما أبكى المقل، ومما قال: لقد بلغني من بره وفضله وصدقته ما لو كان أحد بعد عيسى يحيي الموتى لظننت أنه يحيي الموتى، ولقد كانت تأتيني أخباره باطنا وظاهرا، فلا أجد أمره مع ربه إلا واحدا، بل باطنه أشد حين خلوته بطاعة مولاه، ولم أعجب لهذا الراهب الذي قد ترك الدنيا وعبد ربه على رأس صومعة، ولكني عجبت لهذا الراهب الذي صارت الدنيا تحت قدميه فزهد فيها، حتى صار مثل الراهب.

114

أعاد عمر للخلافة جمالها وجلالها، على ما كانت عليه أيام جده لأمه عمر بن الخطاب، ولكن ابن عبد العزيز عمل في زمان غير زمان ابن الخطاب، وبرجال غير رجاله، وكان دأبه أن يذكر الناس بالآخرة، ويخوفهم من العذاب، ودأب جده أن يذكرهم العمل للدنيا، مع شدة التمسك بحقوق الأخرى، فسياسة عمر بن الخطاب ملائمة لزمانه، وسيرة سبطه كذلك، هذا والناس في آخر القرن الأول قد فسدوا أو بدءوا بالفساد، عمل عمر أعمالا عظيمة في خلافته القصيرة، وهي سنتان وخمسة أشهر، وهذا من أعجب ما يدون في تاريخ عظماء الأرض، ولو لم يتقيد بعهد سلفه سليمان بن عبد الملك ليزيد بن عبد الملك، لعهد إلى القاسم بن محمد بن أبي بكر، أو إلى إسماعيل بن عمرو بن سعيد الأشدق، لما كان يعرف من غنائهما، ولكن حاذر إن أقدم على ذلك أن يغضب بني أمية، وكان بعضهم يبطن له الكراهة، وإذا حول الأمر عن المروانيين تقع التفرقة لا محالة.

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ٣٣٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ٣٣٠