تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

108

على أن يكون ولاته ممن ينفذون أمره، ولا يفكرون إلا في إرضاء الخليفة والفناء فيه، على طريقة الحجاج والمهلب في سياسة الدولة لا ينظرون إلا إلى مصلحة الملك، والمهلب بانضمامه إلى عبد الملك بعد أن كان مع ابن الزبير، كزياد بانضمامه إلى معاوية بعد أن كان مع علي، وما كان عبد الملك يطلق الحرية لغير أخيه عبد العزيز والي مصر وكانت له طعمة، ومصر كانت تتمتع منذ عهد عمرو بن العاص بشيء من الاستقلال، ويرعاها الأمويون رعاية خاصة؛ لأنها طريقهم إلى شمال إفريقية وإلى ما وراءها، ولكونها برأسها مملكة عظيمة غنية.

غزا عبد الملك الروم مرارا برا وبحرا، وصالحهم مرة لاضطراب البلدان عليه، وحمل إليهم أموالا كثيرة حتى انصرفوا عن المصيصة على أن تكون الهدنة عشر سنين، ويخرج الروم الذين كانوا في جبل لبنان من آخر أيام معاوية فيؤدي عبد الملك إليهم في كل يوم ألف دينار وفرسا ومملوكا، على أن يكون خراج قبرص وإرمينية مشتركا بين الروم والعرب، ثم أخذ ملك الروم اثني عشر ألف مقاتل من المردة أو الجراجمة في جبال الشام إرضاء لعبد الملك، وكان صالح الروم (70ه) لأول خلافته على أن يؤدي إليهم في كل جمعة ألف دينار، وكانوا طمعوا في الشام، وهو موزع الفكر بمسائل عمرو بن سعيد، ومصعب بن الزبير، وعبد الله بن الزبير، وليس من الحزم أن يحارب حربين داخلية وخارجية في وقت واحد، وفي أيامه وصل من الروم موريق وموريقان (75ه) وحملا بجيشهما على دير القديس مارون في جهات حماة من الديار الشامية، وقتلا خمسمائة راهب، ثم تحولا إلى قنسرين والعواصم فقتلا الأهلين ونهبا وخربا المساكن، ولم يعفيا عن أحد من الموارنة، وخضعت لهم بلاد الكورة في لبنان، ثم قوي الجبليون على عساكر الروم، وقتلوا أكثرهم وانهزم الباقون.

وصف الجاحظ عبد الملك فقال فيه: «كان عبد الملك بن مروان سنان قريش وسيفها رأيا وحزما، وعابدها قبل أن يستخلف ورعا وزهدا»، ويعد في العلماء العاملين كما هو من أكبر الساسة، ويشبه عبد الملك معاوية بحزمه وسياسته ، وما كان يدهش لما يحل به من المفظعات،

109

وكان من جملة وصيته لأولاده أن يعطف الكبير منهم على الصغير، وأن يعرف الصغير حق الكبير، وحذرهم البغي والتحاسد، وأوصاهم بأخيهم مسلمة، وأن يصدروا عن رأيه، وأن يكرموا الحجاج، فإنه هو الذي وطأ لهم هذا الأمر. وعمل زياد بن أبي سفيان وخالد القسري وقتيبة بن مسلم وأمثالهم من رجال بني أمية، لا يقل عن أعمال الحجاج في سياسة الدولة، وكانوا كلهم «قطب

110

الملك الذي عليه مدار السياسة ومعادن التدبير، وينابيع البلاغة، وجوامع البيان، هم راضوا الصعاب حتى لانت مقاودها، وخزموا الأنوف حتى سكنت شواردها، ومارسوا الأمور، وجربوا الدهور، فاحتملوا أعباءها، واستفتحوا مغالقها، حتى استقرت قواعد الملك، وانتظمت قلائد الحكم، ونفذت عزائم السلطان.»

وأريد عبد الملك على أن يعهد لابنيه الوليد وسليمان فأبى؛ لأن البيعة كانت لأخيه عبد العزيز، وكان عبد الملك لا يفضل عبد العزيز في شيء إلا باسم الخلافة، وهو نظير عبد الملك في الحزم والعقل، ومات عبد العزيز فعهد عبد الملك إلى ولديه الوليد، ثم سليمان بالخلافة، وكانت أيام الوليد خالية من المشاغل الداخلية في الجملة، والعمران يعظم والفتوح سائرة على ساق وقدم. فتح بلادا في أرض الترك والروم والهند وأعظم ما فتح الأندلس، وجاء فاتحها موسى بن نصير إلى دمشق في طائفة من أبناء ملوك البربر والجزائر والروم والإسبان والإفرنج، يلبسون تيجانهم وهم في حالة الأسر، وسئل فاتح الأندلس في حضرة الخليفة سليمان عن حال تلك الأمم التي افتتح بلادها فقال: إن الروم

111

أسود في حصونهم، عقبان على خيولهم، نساء في مواكبهم، إن رأوا فرصة افترصوها، وإن خافوا غلبة فأوعال ترقل

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ٣٢٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ٣٢٩