تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

19

في الزكاة: «وكانت هذه الضريبة فرضا دينيا يتحتم على الجميع أداؤه، وفضلا عن هذه الصفة الدينية، فالزكاة نظام اجتماعي عام، ومصدر تدخر به الدولة المحمدية ما تمد به الفقراء وتعينهم، وذلك على طريقة نظامية قويمة، لا استبدادية تحكمية ولا عرضية طارئة، وهذا النظام البديع كان الإسلام أول من وضع أساسه في تاريخ البشرية عامة»، «فضريبة الزكاة التي كانت تجبر طبقات الملاك والتجار والأغنياء على دفعها لتصرفها الدولة على المعوزين والعاجزين من أفرادها، هدمت السياج الذي كان يفصل بين جماعات الدولة الواحدة، ووحدت الأمة في دائرة اجتماعية عادلة، وبذلك برهن هذا النظام الإسلامي على أنه لا يقوم على أسس الأثرة البغيضة.»

هذا، وقد رأينا بعض السفسطائيين ممن لا شأن لهم إلا المغالطة يدعون أن الإسلام لم يأت بجديد في الأديان، وأنه اقتبس من النصرانية واليهودية، وكيف يأتي دين الفطرة بجديد وهو يبتعد عن التعقيد فيما يصلح الناس في معاشهم ومعادهم، فإذا أمر بالعدل والإحسان وأمرت بذلك الأديان الأخرى كيف يتأتى أن يقال: إنه اقتبس ذلك من غيره، وهل من سبيل إلى أن يحدث الدين الجديد شيئا يقال له: عدل أو إحسان، ويكون عدلا أو إحسانا لا عهد به للناس، وهل يؤول العدل على معنيين: فيكون فيه العدل القديم والعدل الجديد، بل إن بعض الشعوبيين من الغربيين يدعون أن الإسلام أخذ حتى فقهه عن قانون يوستنيانوس الروماني، ومعلوم أن الفقه الإسلامي مأخوذ من الكتاب والسنة والإجماع والقياس بما لا يقبل الرد، وممن قال بهذا الرأي جولدصهير المجري

20

قال: إن العرب أخذوا من الفقه الروماني، وبنى قوله على الحدس والتخمين؛ ذلك لأن العرب كانوا في الفتح، كما زعم، على حالة ابتدائية وكلهم أميون، فوجدوا في العراق والشام فقها ، وفي إدارتها الخاصة فقها فأخذوه وتمثلوه، هذا رأي جولدصهير ولم يأت عليه بدليل، بل دليله الاستنتاج العقلي الخاص، وقد قابل سعيد الخوري

21

الشرتوني الفقيه اللغوي اللبناني بين القانون الروماني والفقه الإسلامي، وبين الأصول التي استند إليها المسلمون في فقههم، فأسقط دعوى المدعين على الشرع المحمدي في مقالات له جودها، ورد بها كيد من كادوا للإسلام منذ أول ظهوره، وما زالوا على كيدهم إلى هذا القرن، وبعد أن وضح الحق في هذه المسألة لا ندري إن كان المتفيهقون يعودون بعد إلى إثارة هذه الدعوى الباطلة، شأنهم في كثير مثلها، يقولون ما يعتقدون وما لا يعتقدون بالرأي المجرد عن البرهان، ويثيرونها فتنة شعواء مجاراة لحظوظ النفس.

عقيدة القضاء والقدر

تعد عقيدة القضاء والقدر من أصول العقائد في الإسلام، وكان منها قوة المسلمين لأول أمرهم، علمتهم الجرأة والإقدام، وبعثتهم

22

على اقتحام الممالك ففتحوها: «هذا الاعتقاد يطبع الأنفس على الثبات واحتمال المكاره ومقارعة الأهوال، ويحليها بحلى الجود والسخاء، ويدعوها إلى الخروج من كل ما يعز عليها، بل يحملها على بذل الأرواح والتخلي عن نضرة الحياة»، و«الذي يعتقد بأن الأجل محدود، والرزق مكفول والأشياء بيد الله يصرفها، كيف يرهب الموت في الدفاع عن حقه وإعلاء كلمة أمته أو ملته، والقيام بما فرض الله عليه من ذلك، وكيف يخشى الفقر مما ينفق من ماله في تعزيز الحق وتشيد المجد»، «هذا الاعتقاد هو الذي ثبتت به أقدام الأعداد القليلة منهم (أي العرب) أمام جيوش يغص بها الفضاء، ويضيق بها بسيط الغبراء، فكشفوهم عن مواقفهم، وردوهم على أعقابهم، بهذا الاعتقاد لمعت سيوفهم بالمشرق وانقضت شهبها على الحيارى في هبوات

23

الحروب من أهل المغرب»، «وهو الذي حملهم على بذل أموالهم وجميع ما يملكون من رزق في سبيل إعلاء كلمتهم لا يخشون فقرا ولا يخافون فاقة، هذا الاعتقاد هو الذي سهل عليهم حمل أولادهم ونسائهم ومن يكون في حجورهم إلى ساحات القتال في أقصى العالم، يتولون سقاية جيوشهم وخدمتها فيما تحتاج إليه، لا يفترق النساء والأولاد عن الرجال والكهول إلا بحمل السلاح»، «وليس في الطوائف المسلمة من يعتقد مذهب الجبر المحض القائل بأن الإنسان مجبور محض في جميع أفعاله، مسلوب الاختيار عن نفسه بالمرة، وكلهم يعتقدون بأن لهم جزءا اختياريا في أعمالهم ويسمى بالكسب، وهو مناط الثواب والعقاب عند جميعهم، وأنهم محاسبون بما وهبهم الله من هذا الجزء الاختياري، ومطالبون بامتثال جميع الأوامر الإلهية. وطائفة الجبرية التي انقرضت أواخر القرن الرابع من الهجرة كانت تذهب إلى أن الإنسان مضطر في جميع أفعاله اضطرارا لا يشوبه اختيار، ولا يقول به أحد من أهل الإسلام اليوم، ويزعم الإفرنج أن هذه العقيدة ما تمكنت من نفوس قوم إلا سلبتهم الهمة والقوة، وحكمت فيهم الضعف والضعة، وأن المسلمين بسبب هذه العقيدة التي كان بها تجلدهم وإقدامهم لن يبرحوا عرضة للفاقة والفقر، والتأخر في القوى الحربية والسياسية، وقد فشا فيهم فساد الأخلاق فكثر الكذب والنفاق والخيانة والتحاقد والتباغض، وقنعوا بحياة يأكلون فيها ويشربون وينامون، ثم لا ينافسون غيرهم في فضيلة.»

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ٣٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ٣٢