تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكان الناس لما مات يزيد بايعوا بمكة ابن الزبير بالخلافة وبايع له أهل العراق والحجاز واليمن ومصر، وبايع له

103

سرا بالشام الضحاك بن قيس، وبايع له بحمص النعمان بن بشير، وبايع له بقنسرين زفر بن الحارث الكلابي، وكان مروان بن الحكم بعد رحيله من الحجاز أيام ابن الزبير أقام بالشام، واجتمعت إليه بنو أمية، وصار الناس بالشام فرقتين: اليمانية مع مروان، والقيسية مع الضحاك بن قيس، وهم مع ابن الزبير، فاجتمع بنو أمية على عقد الأمر لمروان، وهو «شيخ مجرب بقية بني أمية في وقته»، فضرب مروان القيسية بمن كان مع الأمويين من اليمانية بمرج راهط من أرض دمشق فغلبهم، ودخل الفيحاء فقعد مقعد الخلافة.

104

قال المسعودي: وكانت وقعة مرج راهط سبب ملك بني أمية، وقد كان زال عنهم إلى بني أسد بن عبد العزى؛ ولذلك رأى قوم أن مروان أول من أخذ الخلافة بالسيف، وعزي إلى عبد الملك بن مروان قوله:

إني أرى فتنة تغلي مراجلها

والملك بعد أبي ليلى لمن غلبا

وأبو ليلى هو معاوية بن يزيد بن معاوية، وجعل الأمر بعد مروان لخالد بن يزيد بن معاوية، ولعمرو بن سعيد الأشدق، وبذلك انتقلت الخلافة إلى بني مروان، وخرجت عن آل أبي سفيان، وكلهم أمويون، وكلهم بنو عبد شمس، تولاها من تأهل لها من هذا البيت، وظل عبد الله بن الزبير خليفة يخطب له في الحجاز واليمن والعراق ومصر وفارس، وأول ما اتجهت له همة مروان الاستيلاء على مصر من ابن الزبير، وامتدت حدود البلاد الإسلامية في أيام مروان إلى نهر كور أكبر أنهار القوقاز، ودخلت بعد حين بلاد الكرج وطاغستان وشركسستان في حظيرة الملك الأموي، ولما هلك مروان اجتمع الناس على ابنه عبد الملك، فقال لهم: إني أخاف أن يكون في أنفسكم مني شيء فقام جماعة من شيعة مروان، فقالوا: والله لتقومن إلى المنبر أو لنضربن عنقك، فصعد المنبر فبايعوه، ولم يختلف عليه أحد من قريش لما عرفوا من صدقه وعلمه، ولما وصل عبد الملك إلى العراق لإرجاعها إلى الأمويين وثب بدمشق عمرو بن سعيد الأشدق، وكان من أحب الناس إلى أهل الشام يسمعون له ويطيعون، فدعا إلى نفسه بالخلافة واستولى على دمشق، فرجع إليه عبد الملك ولاطفه وراسله، وحلف له أن يكون الخليفة من بعده، وألا يقطع شيئا دونه ولا ينفذ أمرا إلا بمحضره ثم قتله، وكان مصعب بن الزبير الذي قاتل الجيوش الأموية في العراق فقتله عبد الملك، من أحب الناس إلى عبد الملك وأشدهم له إلفا ومودة، وقال في الاعتذار عن قتله: «ولكن الملك عقيم.»

105

وقام المختار بن أبي عبيد الثقفي يدعي الطلب بثأر الحسين، فقتل عبيد الله بن زياد وتمزق أكثر جند الشام، وكانوا أربعين ألفا، فغلب المختار على الكوفة وأباد قتلة الحسين، وبعد حين قتل مصعب بن الزبير المختار وجميع رجاله وكانوا سبعة آلاف، وقضى الحجاج في ولايته العراق على ابن الأشعث، وكان ادعى الخلافة، وذلك بالقرب من دير الجماجم في ثمانين وقعة تواقعاها، وابن الأشعث في جيش أعظم من جيش الحجاج، ولكن ليس له عقل الحجاج ولا حزمه، وانهزم ابن الأشعث وأنصاره من أهل العراق، ولم يكن

106

بعد وقائع صفين أعظم من هذه الحروب.

لما أمن الخليفة جانب العراق وبايعه أهلها بالخلافة، رمى الحجاز بالحجاج ليقضي على ابن الزبير وخلافته، فكان ذلك بعد حروب أهرقت فيها الدماء، وبمقتل ابن الزبير صفت الحجاز واليمن وفارس للخليفة الأموي، فصفت بها بلاد الإسلام، وقضى عبد الملك على الأزارقة من الخوارج في فارس، وعلى الروم والبربر في إفريقية، وعاهد الروم ثم نقضوا عهده،

107

وظلوا على عدائهم طول أيامه، وعلى كثرة ما قتل من المسلمين في غزوات الروم في أرجاء إرمينية وآسيا الصغرى، كان الروم يخافون المسلمين لتهديدهم بلادهم، والمسلمون يخافون الروم؛ لأنهم كانوا حتى في حال الضعف لا تؤمن غوائلهم على بلاد المسلمين، وظلت هذه الحروب محتدمة إلى أيام ابنه الوليد وردد أقصى الغرب النصراني صداها. يقول سترستن: إن غدر عبد الملك بعمرو بن سعيد الأشدق وقسوته عليه، يلقي شيئا على شخصية عبد الملك، والظاهر أن عمله كان شاذا، وأن هناك أسبابا قاهرة حملته في مثل هذا الموقف على ما أتاه، ليقضي على الفتوق التي كانت ظاهرة في كل مكان. قال: ومن الثابت أنه ليس في خلفاء بني أمية من يدانيه في الاضطلاع بأساليب الحكم، وكان يحرص

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ٣٢٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ٣٢٨