كان يرجى بعد استقرار الخلافة أن يطوى حديثها، خصوصا وقد رضي السبطان بحظهما من الدنيا، ولكن أهل الكوفة بعد أن خذلوا عليا وابنه الحسن، عادوا يزينون للحسين بن علي الرحيل إليهم؛ ليعاونوه على إخراج الأمر من يزيد فاغتر بهم، فلما بلغ كربلاء غدروا به، وصاروا مع عبيد الله بن زياد عامل يزيد، حتى قتل الحسين وأكثر آله بكربلاء، فأكبرت الأمة هذه المصيبة وراحت شيعته وقد خذلته في حياته، تستغل مقتله بعد مماته، وعظم حظ يزيد من اللعن والطعن مع أنه لم يأمر بقتل الحسين،
101
ولا أظهر الفرح بهلاكه، ولكن أمر بدفعه عن الأمر ولو بقتاله، ولما سمع يزيد ما تم على الحسين دمعت عينه
102
وقال: ويحكم! قد كنت أرضى من طاعتكم بدون قتل الحسين، لعن الله ابن مرجانة، أما والله لو كنت صاحبه لعفوت عنه، وكان بلغ معاوية في حياته أن الحسين في آخر أيامه كان يتهيأ لشق عصا الطاعة فكتب إليه: «أما بعد، فقد انتهت إلي أمور عنك لست بها حريا؛ لأن من أعطى صفقة يمينه جدير بالوفاء، فاعلم رحمك الله أني متى أنكرك تستنكرني، ومتى تكدني أكدك، فلا يستفزنك السفهاء الذين يحبون الفتنة.» والحسين ما تحلل في الحقيقة من مبايعة معاوية إلا بموته حتى إذا خلفه ابنه خالف عليه.
وصح ما تنبأ به معاوية فيما قاله لابنه يزيد قبيل موته، قال: إني لست أخاف عليك إلا أربعة رجال: الحسين بن علي، وعبد الله بن عمر، وعبد الرحمن بن أبي بكر، وعبد الله بن الزبير. فأما الحسين بن علي فأحسب أن أهل العراق غير تاركيه حتى يخرجوه، فإن فعل فظفرت به فاصفح عنه، وأما عبد الله بن عمر فإنه رجل قد وقذته العبادة، وليس بطالب للخلافة، إلا أن تأتيه عفوا، وأما عبد الرحمن بن أبي بكر فإنه ليس في نفسه من النباهة والذكر عند الناس ما يمكنه من طلبها، ومحاولة التماسها، إلا أن تأتيه عفوا، وأما الذي يجثم لك جثوم الأسد ويراوغك روغان الثعلب، فإن أمكنته فرصة وثب، فذلك عبد الله بن الزبير، فإن فعل وظفرت به فقطعه إربا إربا، إلا أن يلتمس منك صلحا، فإن فعل فاقبل منه، واحقن دماء قومك بجهدك، وكف عاديتهم بنوالك، وتغمدهم بحلمك.
وكان أن امتنع عبد الله بن الزبير في الحجاز من بيعة يزيد بن معاوية، ووافقه كثير من أهل المدينة، وفيهم بعض المهاجرين والأنصار، على خلع طاعة يزيد، وأخرجوا نوابه وأهله من المدينة، فأرسل يزيد عليهم جيشا، وأمر قائده إن لم يطيعوه بعد ثلاث، أن يدخلها بالسيف ويبيحها ثلاثا، ووقعت الحرب وأبيحت المدينة في هذه الوقعة التي سميت بوقعة الحرة نسبة لحرة المدينة، وقتل من قريش والأنصار والمهاجرين ووجوه الناس ألف وسبعمائة، ومن سائر الناس عشرة آلاف سوى النساء والصبيان ، وكان معاوية أوصى ابنه يزيد عند موته بقوله: انظر أهل الحجاز فهم عصابتك وعترتك، فمن أتاك منهم فأكرمه، ومن قعد عنك فتعاهده، وانظر أهل العراق فإن سألوك عزل عامل كل يوم فاعزل له عنهم، فإن عزل عامل واحد أهون عليك من سل مائة ألف سيف، ثم لا تدري علام أنت عليه منهم، ثم انظر أهل الشام فاجعلهم الشعار دون الدثار، فإن رابك من عدو ريب فارمهم به، فإن أظفرك الله فاردد أهل الشام إلى بلادهم، لا يقيموا في غير بلادهم فيتأدبوا بغير آدابهم.
واعتصم عبد الله بن الزبير بمكة، ومات على الأثر يزيد، فاستخلف ابنه معاوية فلبث شهرين لا يخرج إلى الناس، ثم خطبهم فقال: إني نظرت فيما صار إلي من أمركم، وقلدته من ولايتكم، فوجدت ذلك لا يسعني فيما بيني وبين ربي أن أتقدم على قوم وفيهم من هو خير مني وأحقهم بذلك، وأقوى على ما قلدته، فاختاروا مني إحدى خصلتين: إما أن أخرج منها وأستخلف عليكم من أراه لكم رضا ومقعنا، ولكم الله علي لا آلوكم نصحا في الدين والدنيا، أو أن تختاروا لأنفسكم وتخرجوني منها، وقال: قد ضعفت عن أمركم ولم أجد لكم مثل عمر بن الخطاب لأستخلفه ولا مثل أهل الشورى، فأنتم أولى بأمركم فاختاروا من أحببتم، وطعن معاوية الصغير بعد أيام، فخاف بنو أمية أن يخرج الأمر عنهم، وعبد الله بن الزبير يقوي سلطانه في الحجاز، وتنتشر دعوته في الشام سرا، فدخلوا عليه فقالوا له: استخلف على الناس من تراه لهم منا، فقال لهم: عند الموت تريدون ذلك، لا والله لا أتزودها، ما سعدت بحلاوتها، فكيف أشقى بمرارتها، ثم جاءوا إلى خالد بن يزيد بن معاوية فتورع أن يستخلف على صغر سنه.