تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

99

وفتح قبرص ورودس وأرواد وغيرها من الجزر، وفتح السودان وصالح الروم في سنة 41 على مائة ألف دينار، وكانوا جمعوا جموعا كثيرة فخاف أن يشغلوه عن تدبير بلاده وإحكام أمره، وهو أول من صالح الروم، فلما استقام له الأمر أغزى أمراء الشام على الصوائف، فسبوا في بلاد الروم سنة بعد سنة، حتى طلب صاحب الروم الصلح على أن يضعف المال فلم يجبه، واستولى الروم على جبل لبنان في السنة السابعة عشرة من خلافته بمعاونة الجراجمة،

100

فاضطر لعقد معاهدة مع الروم (سنة 57) صعبة الشروط عليه؛ وذلك ليدفع غائلة أسطولهم عن بلاده.

رأى معاوية في سنة 56 أن يجعل ولاية العهد لابنه يزيد من بعده، فكان هذا الوضع الجديد في أساس الملك مما استفظعه بعضهم؛ لأنه كان في الصحابة أفراد يليقون للخلافة أكثر من يزيد، وعير معاوية خصومه أنه جعل الخلافة كسروية وقيصرية؛ أي جعلها وراثية وما كانت بها، أو كما قال مروان بن الحكم: جئتم بها هرقلية تبايعون لأبنائكم، بيد أن معاوية كان يرى هذا التدبير على ما فيه من غمط حقوق الكفاة للخلافة، أضمن لسلامة الدولة وتتقى به شرور قد تستطير بين الناس كلما مات لهم خليفة، أو قوي أعداؤه فأرادوا استلاب الخلافة منه، ويخشى إذا ظل المسلمون على تناحرهم أن يجمع أعداؤهم شملهم، ويعيدوا الكرة عليهم في صميم جزيرة العرب، والله أعلم ما تكون النتيجة على الإسلام والمسلمين.

بوضع قانون ولاية العهد في الإسلام بعض الحيطة التي تنجي من انقسام الكلمة، وقد يخطئ رأس الملة في توليته من يريد، وربما قل في رجال الخليفة، أو من اصطنعهم لخدمته من يسعهم الإنكار عليه، أو إرجاعه إلى الصواب إن أخطأ، والعهد للأبناء أو الأخوة أو أبناء العم على شرط الكفاية في الجملة، أقرب إلى سلامة الدولة من فتنة تنشب بين الأحزاب أو أصحاب العصبيات، وكل حزب يرشح خليفته بالحق والباطل، حتى لا يكاد يجد الصالح من المستخلفين، أدنى مما يجد الطالح من المعونة والمظاهرة، ولو كان مرجع هذه الولاية أرباب الرأي في الأمة فقط؛ أي أهل الحل والعقد كما اشترط في توسيد الخلافة لكان في ذلك الخير كله.

ثم إن حصر السلطات الدينية والمدنية في يد الخليفة أو الملك يخرج الأمر مهما تلون اسمه بالأسماء المختلفة عن أحكام الشورى ويعيده استبدادا. والشورى حياة الممالك والشعوب، ومن النادر ظهور رجل سلمت نفسه من العيوب واستجمع شروط الخلافة، فما توخى غير مصلحة الناس والدولة كأبي بكر وعمر. وفي الحكومة الملكية عيوب، وفي الحكومة المقيدة عيوب، وفي الحكم «الأتوقراطي» الديني عيوب، وفي الحكم «الديمقراطي» الشعبي أو الجمهوري عيوب، ولقد كثرت أخطاء الجمهوريات في آثينة ورومية في العهد القديم، وفي جمهوريات الدول الحديثة المقيدة بالأنظمة الدستورية، فنسب الخير والشر إلى من تضامنوا من أهل شوراها على القيام بأمر الأمة؛ أي إنه يخطئ في الحكم الجمهوري أو النيابي مجموع مختار في الجملة من أبناء البلاد، ولا يكون الخطأ خطأ فرد بمحض إرادته كما هو الشأن في الحكومات المطلقة الاستبدادية.

قلنا: إن خصوم معاوية نالوا منه بعهده لابنه يزيد، وفي الأمة بقايا رجال من الصحابة أعظم مكانة وسابقة منه، وكان من المتعذر توسيد الخلافة إليهم؛ لأنهم ضعاف في عصبيتهم، بالقياس إلى أرباب العصبيات الكبرى كعصبية الأمويين في ذاك العهد، ويخشى إذا استخلفوا أن يشغلوا بالدفع عن أنفسهم فتضيع المصلحة العامة، كما جرى في عهد الخليفة الرابع، ولما تم الأمر ليزيد أخذ بعض الطامعين في الخلافة وأتباعهم، وقد رأوا حرص معاوية على حمل بعض الصحابة والتابعين على مبايعة ابنه بعده، يتقولون على يزيد ويرمونه بالكبائر، ويسقطون منزلته ويصغرون شأنه، وما كان يزيد كما قال ابن تيمية مظهرا للفواحش كما يحكي خصومه، ولا كان من الصحابة، ولا من المشهورين بالدين والصلاح، وكان من شبان المسلمين، ولا كان كافرا ولا زنديقا، وتولى بعد أبيه العهد على كراهية من بعض المسلمين، ورضا من بعضهم، وكان فيه شجاعة وكرم، وكان أبوه يشركه في مشورته، ويأخذ برأيه أحيانا في تدبير الملك وسياسته، وقد أغزاه الروم فبلغ أسوار القسطنطينية، وكثيرا ما بعث همته على العمل وعلمه وثقفه، وغاية ما ثبت عنه أنه كان به رسلة يحب الراحة ويدرب كلابا للصيد.

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ٣٢٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ٣٢٦