أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب ، فقال أبو بكر: صدقت، وأنا إذ ذاك طفل صغير لا أغني عن نفسي شيئا في حجر رسول الله وفي بيته، فلم يزل أبو بكر الصديق معه على تلك الحال، يضرب الناس ويضربونه، ويغلبهم ويغلبونه، ويقاتلهم ويقاتلونه، ويخافهم ولا يخافونه، يظهر دينه ولا يكتم إيمانه، حتى قالت قريش: إن ابن أبي قحافة مجنون، فلم يكن أحد أولى بالإسلام منه، ولا أكرم على الله في هذه الأمة بعد نبيها منه، ولا خيرا منه، ولا أفضل في الدنيا والآخرة، وإن أقواما يفضلونني عليهما في قلوبهم بقية النفاق، يريدون فرقة أهل الإسلام واختلاف الأمة ... وفي هذا مقنع لمن «جودوا الجنون في الغلو».
سياسة الأمويين
بويع بالخلافة للحسن بن علي بعد مقتل أبيه، فحاول أن يحارب معاوية، وهو أيضا خليفة مبايع، ورأى من تخلف القوم عن نصرته أنهم لا يتوقفون عن خذلانه عند الحاجة - كما خذلوا أباه من قبل - واستنفر الأحنف بن قيس من جماعة أبيه، فقال: قد بلونا الحسن وآل الحسن، فلم تكن عندهم إيالة الملك، ولا صيانة المال، ولا مكيدة الحرب، واتفق أن أحد شيعته طعنه ذات يوم في جنبه فصرعه عن فرسه، فكان ذلك أحد أسباب مصالحته معاوية، فنزل عن الخلافة بعد أن خطب له بها نحو ستة أشهر في العراقين العربي والعجمي وخراسان وجزيرة العرب، مشترطا أن يكون ولي عهد معاوية من بعده،
96
وألا يأخذ معاوية أحدا من آل الحسن بإحنة،
97
وأن يؤمن الأسود والأحمر، ويجعل له خراج الأهواز مسلما في كل عام، ويحمل إلى أخيه الحسين بن علي كل سنة ألفي ألف درهم، ويفضل بني هاشم في العطاء والصلات على بني عبد شمس، فبذل معاوية له العهود المؤكدة على ذلك، وأعطاه كل ما طلب إلا ما كان من لعن أبيه على المنابر، ودخل الحسن في طاعته، فحقن بذلك الدماء، وحمد فعلته العقلاء، وأكبرت شيعة الحسن أمر هذا الصلح، ولم يسعها إلا أن تحمله على محمل الخير؛ لاعتقادهم بعصمة آل البيت في كل ما يصدر من أقوالهم وأفعالهم، لا يسألون عما يبدر منهم.
وكان أهل الشام بايعوا معاوية بالخلافة في سنة 37 حين تفرق الحكمان، كما بايعوه على الطلب بدم عثمان، فلما تنازل الحسن عن الخلافة بويع له بإيلياء سنة 40 مبايعة عامة أخرى، وسمي هذا العام عام الجماعة؛ لاجتماع الأمة على إمام واحد، وكان معاوية يدعى بالشام الأمير فلما قتل علي دعي أمير المؤمنين،
98
وغدا يسوس بلاد الإسلام كلها بسلطانه مباشرة، وكان بالأمس يسوس بعضها تحت سلطان أعظم من سلطانه.
أحسن معاوية تأليف القلوب، واستخدم العصبيات لما فيه مصلحة الدولة، وكان كلما زاد قوة انقطعت آمال الطامعين في الخلافة، المشاغبين على السلطان، فاستخدم الشعراء في تأييد دعوته كما يستخدم رجال السياسة اليوم أرباب الصحف والإذاعات لمثل هذا الغرض، ويرسل الوعاظ إلى الآفاق ليحولوا القلوب عن علي، عدا ما كان يخطب به وعماله في علي على المنابر ينفر القلوب منه، وكانت العراق أضعف جزء في ملك معاوية فرمى أهلها بأخيه زياد، وكان هذا من عمال علي فانضم بعد موته لأخيه، فجاء زياد والعراق تغلي مراجله بالفتن، يوقد نارها أرباب الشغب، فسل الأحقاد وداوى الأدواء، وتولى العراق بعد زياد ابنه عبيد الله فاشتد على الخوارج، فقتل منهم صبرا جماعة كثيرة، وحاربهم حتى كاد يفنيهم، وكانوا قاموا لأول خلافة معاوية فعفا عن بعضهم، ثم ثار آخرون فقتلهم، وسكنت نأمة الشيعة وأصبحت دعوتهم سرية.
وأهم ما عاناه معاوية من مسائله الخارجية غزو الروم، وكان اعتاد غزوهم منذ كان أميرا، ووصلت جيوشه إلى القسطنطينية وإلى بحر هيجاي (إيجه)، وإلى سواحل بحر الروم ومنها جزيرة صقلية، وكان ألح على عمر في خلافته بغزو البحر، فما جاء دور عثمان حتى كان للشام أسطول عظيم، فصير عثمان إلى معاوية غزو الروم، على أن يوجه من رأى على الصائفة،