تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

صلى الله عليه وسلم

سيوف أخر، منها سيف على أهل الردة، وهو الذي قال فيه من بدل دينه فاقتلوه، وقد سله أبو بكر من بعده في خلافته على من ارتد من قبائل العرب، ومنها سيف على المارقين، وهم أهل البدع كالخوارج، وروي عن علي أن النبي أمر بقتال المارقين والناكثين والقاسطين، وقد حرق علي طائفة من الزنادقة فصوب ابن عباس قتلهم، وأنكر عليه تحريقهم بالنار، فقال علي: ويح ابن عباس لبحاث عن الهنات.»

وبعد، فإن الخلفاء الراشدين قاموا بخلافة النبوة على أكمل وجه أمكن، وإذا لاحظنا اليوم أنه وقع من بعضهم شيء فهو منهم محض اجتهاد، والمجتهد يصيب ويخطئ، والسياسة صعبة المراس على كل الناس، وما كان للبشر أن تجيء أعمالهم تامة من كل وجه، ومن المؤلم أن يستغل هذه الحوادث المرمضة في سبيل الخلافة أناس عز عليهم أن يقوض العرب بالإسلام عرش ملوكهم وهم الفرس، فيندسون في الغمار ويتخذون من آل البيت تكأة، ويزعمون لعلي أنه بغي عليه منذ أول يوم، ويدعون له العصمة على نحو ما كان أجدادهم يدعونها لملوكهم من المجوس، وأن يكون من عبد الله بن سبأ وأمثاله ممن تظاهروا بالإسلام، وهو لم يمس شغاف قلوبهم، ما كان من الدعاية لتأليب الناس على عثمان، وكان من أثر دعايتهم تمزيق الأمة طرائق وحزائق.

هذا، وعلي حرق من غلوا فيه، وأنكر ابنه محمد بن الحنفية على شيعته دعواهم فيه أنه يعلم المغيبات وأن علمه لدني، ومن بعده زاد الغلو فسكت آل البيت عما ينسبه أنصارهم إليهم ووضعوهم في غير مواضعهم؛

93 «لأنهم افترضوا على أنفسهم طاعتهم ووظفوا عليهم شرائع دينهم ونحلوهم علم ما هو كائن.»

عن سويد بن غفلة،

94

وكان من كبار التابعين، صحب أبا بكر وعمر وعثمان وعليا، واختص بعلي وقاتل معه، قال: مررت بقوم يذكرون أبا بكر وعمر ويتنقصونهما، فأتيت عليا فذكرت ذلك له، فقلت: إني مررت بقوم من الشيعة يذكرون أبا بكر وعمر ويتنقصونهما، ولولا أنهم يعلمون أنك تضمر ما هما عليه لم يجسروا على ذلك، قال: أعوذ بالله أن أضمر لهما إلا الحسن الجميل، لعن الله من أضمر لهما إلا الحسن الجميل: أخوا رسول الله ووزيراه، ثم نهض دامع العين يبكي قابضا على لحيته ينظر فيها وهي بيضاء، وقد اجتمع الناس فقام فخطب خطبة موجزة بليغة، ومما قال: ما بال أقوام يذكرون سيدي قريش وأبوي المسلمين بما أنا عنه متنزه، ومما يقولون بريء، وعلى ما يقولون معاقب، فوالذي فلق الحبة وبرأ النسمة، لا يحبهما إلا مؤمن تقي، ولا يبغضهما إلا فاجر رديء، صحبا رسول الله بالصدق والوفاء، يأمران وينهيان، ويعاقبان فما يجاوزان فيما يقضيان. وبعد أن امتدح أبا بكر وعمله في أهل الردة، قال: إنه سار بسيرة رسول الله حتى قبض، ثم ولي الأمر من بعده عمر بن الخطاب، واستأمر في ذلك الناس، فمنهم من رضي ومنهم من كره، وكنت ممن رضي، فوالله ما فارق عمر الدنيا حتى رضي من كان له كارها، فأقام الأمر على منهاج النبي وصاحبه يتبع بآثارهما، كما يتبع الفصيل إثر أمه إلى أن قال: فمن أحبهما فقد أحبني، ومن أبغضهما فقد أبغضني، وأنا منه بريء، ولو كنت تقدمت في أمرهما لعاقبت أشد العقوبة، فمن أتيت به بعد مقامي هذا فعليه ما على المفتري.

وجيء علي برجل وهو بالكوفة يتنقص أبا بكر وعمر فقال: يا قنبر اضرب عنقه، قال: يا أمير المؤمنين علام تضرب عنقي وإنما غضبت لك؟ قال: وما ذاك ويلك! قال: إني رجل غريب ما صحبت رسول الله، ولا علمت مكان هذين الرجلين منه ولا منك، وإنما سمعت من بعض من يغشاك يفضلك عليهما، ويذكر أنهما ظلماك حقا، وتقدماك في أمرك، قال علي: أوتعرف القوم؟ قال: لا، إلا بأعيانهم عند نظري إليهم، قال: أما والله ما تقدماني إلا بأمر الله وبأمر رسوله، وما ظلماني ما يزن ذرة،

95

ولولا أنك أقررت بغربتك، وقلة معرفتك بشيخي المسلمين، لضربت عنقك، ثم قال: يا قنبر، ناد في الناس الصلاة جامعة، فاجتمع الناس له ظهرا فصلى بهم، ثم صعد المنبر فقال: أيها الناس، إن الله بعث محمدا وقد اخلولق الإسلام، وذهب صفاء الدين، وظهر الظلام بالكفر، والناس في عمية جاهلية جهلاء، يعبدون الأصنام، ويعظمون الأوثان، ويكفرون بالرحمن، فقال: أيها الناس قولوا لا إله إلا الله، فقالوا بأجمعهم: كذبت

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ٣٢٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ٣٢٤