فلما قبض الرسول دعي علي للبيعة فقال: في جهاز رسول الله شغل، ولن يفوت الأمر، فبويع في السقيفة لغيره، ولما طعن عمر أشار عليه العباس ألا يدخل في الشورى؛ لأنه إن اعتزلهم قدموه، وإن ساواهم لم يقدموه، ولما أخذ عثمان في الأمور قال له العباس، وقد وقع في نفسه أن عثمان سيقتل: والله لئن كان ذلك وأنت حاضر بالمدينة ليرمينك الناس بدمه، وإن فعلوا لا تنال من هذا الأمر شيئا إلا شرا لا خير معه.
يقول ابن حزم
89
في معرض الكلام على أن عليا كان أسوس الصحابة، بعد أن ذكر ما قام به أبو بكر من حروب الردة حتى ثبت الإسلام، وما قام به عمر وعثمان من حروب انتهت بظهور الدين في الأقطار: «ثم قد رأى الناس خلاف ذلك كله، وافتراق كلمة المؤمنين، وضرب المسلمين بعضهم وجوه بعض بالسيوف، وشك بعضهم قلوب بعض بالرماح، وقتل بعضهم من بعض عشرات الألوف، وشغلهم بذلك عن أن يفتح من بلاد الكفر قرية، أو يذعر لهم سرب،
90
أو يجاهد منهم أحد، حتى ارتجع أهل الكفر كثيرا مما صار بأيدي المسلمين من بلادهم، فلم يجتمع المسلمون إلى يوم القيامة، فأين سياسة من سياسة.»
ويقول ابن تيمية:
91 «تولى علي والفتنة قائمة، وهو عند كثير منهم ملطخ بدم عثمان، والله يعلم براءته مما نسبه إليه الغالون فيه، والمبغضون لغيره من الصحابة، فإن عليا لم يعن على قتل عثمان ولا رضي به، كما ثبت عنه وهو الصادق أنه قال ذلك، فلم تصف له قلوب كثير منهم، ولا أمكنه هو قهرهم حتى يطيعوه، ولا اقتضى رأيه أن يكف عن القتال، وظن أن به تحصل الطاعة والجماعة، فما زاد الأمر إلا شدة، وجانبه إلا ضعفا، وجانب من حاربه إلا قوة، والأمة إلا افتراقا، حتى كان في آخر أمره يطلب هو أن يكف عنه من قاتله، كما كان في الأول يطلب منه الكف، وضعفت الخلافة ضعفا أوجبت أن تصير ملكا، فأقامها معاوية ملكا برحمة وحلم، ولم يتول أحد من الملوك خيرا من معاوية، فهو خير ملوك الإسلام، وسيرته خير من سيرة الملوك بعده.»
وقال أيضا: «إن معاوية بقي في الشام عشرين سنة أميرا وعشرين سنة خليفة، ورعيته من أشد الناس محبة وموافقة له، وهو من أعظم الناس إحسانا إليهم، وتأليفا لقلوبهم، حتى قاتلوا علي بن أبي طالب، وصابروا عسكره إلى أن قاوموهم وغلبوهم، قاتلوا مع معاوية؛ لظنهم أن عسكر علي فيهم ظلمة معتدون عليهم كما اعتدوا على عثمان، وأنهم يقاتلونهم دفعا لصيالهم، وقتال الصائل جائز؛ ولهذا لم يبدءوهم بقتال حتى بدأهم أولئك؛ ولهذا قال الأشتر النخعي: إنهم ينصرون علينا؛ لأنا نحن بدأناهم بالقتال، وعلي كان عاجزا عن قهر الظلمة من العسكرية، ولم تكن أعوانه يوافقونه على ما يأمر به، وأعوان معاوية يوافقونه. ا.ه.»
لا جرم أن عليا اضطرته الحال إلى الوقوع فيما وقع فيه من قتال المسلمين، وعمل ما عمل وهو كاره، ولم يواته الحظ في خلافته، وكاد ألا يفكر في غير رد المطالبين بدم عثمان، والناشزين على خلافته من الخوارج وأهل الشام وغيرهم، ورأى انفراج قلوب الأمة بمقتل عثمان، وأحس أكثر من غيره بما وقع من تشتت في الأهواء، وتأصل في الأحقاد التي انتقلت من الأجداد إلى الأحفاد، وما كان له مفزع غير السيف، والسيف لا تؤمن غائلته على الغالب والمغلوب، وهو شر لا بد منه، ولقد قالوا: «إن في القرآن أربعة
92
سيوف: سيف على المشركين حتى يسلموا أو يؤسروا
فإما منا بعد وإما فداء ، وسيف على المنافقين وهو سيف الزنادقة، وقد أمر الله بجهادهم والإغلاظ عليهم في سورة براءة وسورة التحريم وآخر سورة الأحزاب، وسيف على أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية، وسيف على أهل البغي وهو المذكور في سورة الحجرات، ولم يسل الرسول هذا السيف في حياته، وإنما سله علي في خلافته، وكان يقول: أنا الذي علمت الناس قتال أهل القبلة، وله