تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دل اقتتال المسلمين يوم الجمل وصفين والنهروان، واغتيال الثالث والرابع من الخلفاء بأيدي جماعة من المسلمين، على استسهال العرب سفك الدماء، وأنهم أبوا إلا أن يتحاكموا إلى السيف، ويعمدوا إلى التقاتل، وأن القوانين مهما سمت لا تغير كثيرا من روح من يأخذون أنفسهم بها، وقد يخالفونها عند أقل بادرة، ولكم أضاع العرب من قوتهم، ولما يمض جيل واحد على تكونهم، وإذا عرفنا أن المسلمين كانوا على ما روى الشافعي

83

ستين ألفا لما قبض الرسول، ثلاثون ألفا بالمدينة وثلاثون ألفا في قبائل العرب وغير ذلك، وأنه هلك منهم ألوف في حروب الردة وحروب الشام والجزيرة وإرمينية وإفريقية والعراق وفارس على عهد أبي بكر وعمر وعثمان، أدركنا عظم هذه النازلة بهذا القدر من الرجال الذين قتلوا في حروب علي.

كانت وقعة صفين المشئومة مما عاق الإسلام عن الانتشار، ووقف بالفتوح العربية عند حد كاد يطمع الأمم المجاورة برده على أعقابه إلى أقصى الأرض العربية، ولولاها لكتب لمعاوية أن يفتح القسطنطينية، وكان أعد لذلك في أرض الشام وبحره القوتين البرية والبحرية، فلما ظهرت مسألة علي اضطر معاوية أن يصانع الروم لشغله بعلي،

84

وأن يرجع عن عزمه، أو يؤخر إنفاذه إلى أجل غير معلوم، ولو فتحت القسطنطينية لسرى الإسلام إلى الغرب على أيسر حالة، وكان في الإمكان توقي هذه الحرب الحاصدة، لو لجأ المتخاصمان لأول الأمر إلى التحكيم، ولو قدر كل واحد منهما حالة الأمة وما يتربص لها أعداؤها، ما امتشق أحدهما حساما في سبيل غرضه مهما كان شريفا؛ لأن هناك ما هو أشرف منه، وهو بث الدعوة وحماية البيضة، ولو سمع علي نصح بعض عقلاء الصحابة ما تسرع في عزل عمال عثمان، وفي مقدمتهم معاوية، ولما أهرقت هذه الدماء المحرمة، ولكن عليا أصيب بكرامته ولما أبى معاوية مبايعته، أو يسلم إليه القتلة في جيشه، ومن أخلاق علي ألا يسكت ساعة عمن يكون غير راض عنهم، ويعد مصانعتهم خروجا على قواعد الصدق والإخلاص.

أشار المغيرة بن شعبة،

85

وهو المعروف بدهائه وبعد نظره، على علي أن يقر معاوية على الشام تسمح له طاعته، قال: فإن أهل الشام قد ذاقوه فاستعذبوه ووليهم عشرين سنة، لم يعتبوا عليه ولم يعتبوه

86

في عرض ولا مال، فقال علي: «والله لو سألني قرية ما وليته إياها.» قال المغيرة: «أراه سيلي أرضين وقريات.» وكان الأمر كما تنبأ المغيرة، وما قدر علي، على ثقوب ذهنه وكثرة علمه، أن يقدر قوة خصمه فاحتقره، ورأى أن دينه يمنعه من أن يقره، وهو يعتقد في إقراره الضرر له وللجماعة.

أدرك علي بعد الدخول في العمل، أن جنده مشتت الأهواء تغلب عليه الفوضى، على ما عرف من بعض شيعته من الاستماتة في سبيل دعوته؛ ولطالما تمنى لو يقايض عشرة من جنده بواحد من جند معاوية.

87

ومن خطبه لما بلغه مقتل محمد بن أبي بكر أمير مصر، وتملك عمرو بن العاص لها باسم معاوية: «أوليس عجيبا أن معاوية يدعو الجفاة الطغام فيتبعونه بغير عطاء، ويجيبونه في السنة المرتين والثلاث إلى أي وجه شاء، وأنا أدعوكم وأنتم أولو النهى وبقية الناس على معاوية، وطائفة منكم على العطاء، فتتفرقون عني وتعصونني وتختلفون علي.»

وريت زناد معاوية بأهل الشام؛ لأنه طالما أحسن إليهم، فكان في أطوع جند، وجنده يعتقد أن صاحبه على الحق، وروي عنه أنه قال:

88

أعنت على علي بن أبي طالب بأربع خصال: فقد كان ظهرة علنة لا يكتم سرا، وكنت كتوما لسري، وكان لا يسعى حتى يفاجئه الأمر، وكنت أبادر إلى ذلك، وكان في أخبث جند وأشدهم خلافا، وكنت في أطوع جند وأقلهم خلافا، وكنت أحب إلى قريش منه، فنلت ما شئت، فلله من جامع إلي ومفرق عنه!

قال علي بعد وقعة صفين، وقد آلمه ما أهرق من دماء المسلمين، وما جرت عليه الخلافة من المتاعب، رحم الله عمي العباس كأنما كان يطلع على الغيب من وراء ستر رقيق، وصدق والله ما نلت من هذا الأمر شيئا إلا بعد شر لا خير معه، وكان العباس أشار عليه لما اشتد مرض رسول الله أن يسأله إن كان الأمر في بني هاشم يعطوه، وإن كان في غيرهم يوصي بهم، فقال علي: إن منعناه لم يعطناه أحد.

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ٣٢٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ٣٢٢