78
فبذلك سموا الحرورية ... وساروا إلى النهروان، فعرضوا للسبل وقتلوا عبد الرحمن بن خباب بن الأرت، فسار إليهم علي فقتلهم وقتل منهم ذا الثدية،
79
وذلك في سنة ثمان وثلاثين، ثم انصرف علي إلى الكوفة، فلم يزل بها يخافون عليه الخوارج من يومئذ إلى أن قتل، رحمه الله، واجتمع الناس بأذرح في شعبان سنة ثمان وثلاثين، وحضر سعد بن أبي وقاص وابن عمر وغيرهما من أصحاب رسول الله، فقدم عمرو أبا موسى فتكلم فخلع عليا، وتكلم عمرو فأقر معاوية، وبايع له فتفرق الناس على هذا.»
وأخذ علي بالعراق يقنت في الصلاة ويدعو على معاوية، وعلى عمرو بن العاص، وعلى الضحاك، وعلى الوليد بن عقبة، وعلى الأعور السلمي، ومعاوية يقنت في الصلاة ويدعو على علي، وعلى الحسن، وعلى الحسين، وعلى عبد الله بن جعفر.
وكان سعد بن أبي وقاص من الصحابة الذين اعتزلوا الاشتراك بصفين، وقال إذا كان غزو الكفار قاتلنا، فأما قتال الفتنة والبغي، فلا نقاتل أهل القبلة،
80
أما عبد الله بن عمر فكان يقول: لا أقاتل في الفتنة وأصلي وراء من غلب،
81
وقال: إنما كان مثلنا في هذه الفتنة كمثل قوم كانوا يسيرون على جادة يعرفونها، فبينما هم كذلك إذ غشيتهم سحابة وظلمة، فأخذ بعضنا يمينا وبعضنا شمالا، فأخطأنا الطريق، وأقمنا حيث أدركنا حتى تجلى عنا ذلك، فأبصرنا الطريق الأول فعرفناه فأخذنا فيه، إنما هؤلاء فتيان قريش يتقاتلون على هذا السلطان، وعلى هذه الدنيا، والله ما أبالي ألا يكون لي ما يقتل فيه بعضهم بعضا بنعلي.
ومن مكملات هذه الفتنة، فتنة الخلافة بين علي ومعاوية، قيام الخوارج على علي، وكانوا من أصحابه وأنصاره يوم الجمل وصفين، وهم يزيدون على اثني عشر ألفا، ساءهم رضا علي بالتحكيم، وقالوا لا حكم إلا لله، فإن الله يقول:
إن الحكم إلا لله .
82
وكفروا عليا بفعله واعتزلوه، فعاتبهم علي فلم يفد فيهم، ثم قاتلهم وظهر عليهم، وقتل منهم نحو أربعة آلاف، ولم تطفأ نائرتهم، وظلت سيوف فلولهم مصلتة قرونا بعده، ونشأ من ذلك مذهب جديد قام على التشنيع على علي، كما نشأ مذهب الشيعة الذي قام على التشيع له، والأصل في هذه المذاهب والمتاعب مقتل عثمان، وتعذر قصاص قاتليه على علي، وحرص هذا على الخلافة. •••
كان المأمول بعد أن اهتدى العرب بالرسول، أن يحتكموا إلى كتابه في كل ما شجر بينهم، لا أن يجعلوا فصل الخطاب للسيف في دق أمورهم وجلها، على ما كانوا في الجاهلية، وأن تعتدل طبيعة العرب المأخوذة بحب الحرب والتناغي بالسيادة، لا ترى تحقيقها إلا من طريق العصبية القبلية، ولا تنام عن الثأر تطلب به، وعادت نغمة العصبيات التي جاء الإسلام بمحوها تتغلب على نفوسهم، مع ما غلب على أمزجة سوادهم الأعظم من المزاجين العصبي والصفراوي، وكان الخطب بالعصبيات عند العرب كالخطب بالأحزاب عند الأمم الحديثة أو أدهى وأمر.
نعم! ما ارتاحت العرب زمنا طويلا في الإسلام من أحداث وفتن يتقاتلون فيها، فيفني بعضهم بعضا، على نحو ما كان أجدادهم، كأن الدين لم يصقل من نفوسهم إلا ظواهرها، على حين دل ما بدا منهم من نصرة الشارع الأعظم، ثم من نصرة صاحبيه من بعده، على أن الإسلام هذب كثيرا من حواشيهم، ثم بدأ هذا التهذيب يضعف بجرأة العامة على الخاصة، وأي جرأة أعظم من قتل أمير المؤمنين عثمان؟ وقديما كان قتل الملوك من أشأم ما يحدث في الأمم وقلما أتى بخير، فكيف بمقتل هذا العظيم؟
كان للعرب في الجاهلية بعض العذر في شن غاراتهم، وأرضهم مجدبة، وعيشهم ضنك، وأمرهم شتات، وأي معذرة لهم في الإسلام، وقد أذكى الدين عقولهم، ولقنهم الرحمة، ودمث من أخلاقهم، وقضى أو كاد على العادات الضارة فيهم، وفتح عليهم أبواب النعمة في الأقطار التي دخلوها فاتحين، ووضعوا أساس الملك العتيد، فدرت لهم أخلاف البركات، في كل بلد نزلوه واستثمروه.