تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والواقع أن قتلة عثمان كانوا من أكثر القبائل، اختلطوا بعشائرهم وعشائرهم أكثر أتباع علي، وما خالف علي

72

في البراءة من قتلة عثمان، ولكنهم كانوا عددا ضخما لا طاقة له عليهم، ومن المتعذر عليه أن يسلمهم أو بعضهم وهم عضده ولو كان يعرفهم بأعيانهم، ومسألة وقعت على غير رضاه، ليس من مصلحته أيضا أن يستهدف لغضب عشائر كثيرة تقوم بنصرته اليوم، أما هو فكما روي عنه أنه قال: والله

73

لو شاءت بنو أمية لأتيتهم بخمسين غلاما من بني هاشم يحلفون بالله ما قتلت عثمان ولا مالأت عليه.

كان في نفس عائشة أم المؤمنين شيء من علي لما جرى حديث رميها بالإفك في حياة الرسول، وبرأها القرآن مما قذفت به في عدة آيات، ولما كان ما كان من مقتل عثمان كانت في مقدمة من حنق لمقتله، وقامت لسد الفتق الحادث في الإسلام تطالب بدم الشهيد العظيم، وهي تعرف منزلته من الرسول، وبلاءه في خدة الأمة، وتعرف المتآمرين على قتله، ومن غضوا الطرف عنهم طوعا أو كرها، ورأت ومن معها من الصحابة، ومنهم طلحة والزبير ورهط من بني أمية أهل عصبية عثمان، أن يقصدوا إلى البصرة في الجموع العظيمة التي تبعتهم يطالبون بدم عثمان، وقالوا معاوية بالشام يكفينا أمرها، وجمع علي أربعة آلاف رجل، فيهم جلة من الصحابة، ومنهم أربعمائة ممن بايع تحت الشجرة وثمانمائة من الأنصار، فالتقى الجيشان وعائشة في هودج على جمل، فتمت الهزيمة على أصحاب الجمل، وقتل طلحة والزبير، فكانت عدة القتلى من الفريقين نحو عشرة آلاف، وهذه أول مرة التقى فيها المسلم بالمسلم بالسلاح، مقدمة مشئومة استفتحت بها خلافة علي.

فرغ علي من حرب الجمل، فانتظم له أمر العراق ومصر واليمن والبحرين وعمان واليمامة وفارس والجبل وخراسان والحرمين، ولكن معاوية في الشام والجزيرة وثغورهما لم يبايع ولم يشايع، بل يطالب بدم عثمان بكل ما لديه من حيلة، وأهل الشام بايعوه على المطالبة بذلك، يقاتلون معه حيث أراد من أراد. واتفق معاوية مع عمرو بن العاص على أن يسيرا يدا واحدة في المطالبة بدم عثمان، وكتبا بينهما كتابا ببيت المقدس على التناصر والتخالص والتناصح في أمر الله والإسلام، لا يخذل أحدهما صاحبه بشيء، ولا يتخذ من دونه وليجة،

74

ولا يحول بينهما ولد ولا والد أبدا ما حيا، فإذا فتحت مصر فإن عمرا على أرضها، ومعاوية أمير على عمر في الناس وفي عامة الأمر، حتى يجمع الله الأمة، فإذا اجتمعت فإنهما يدخلان في أحسن أمرها على أحسن الذي بينهما في أمر الله.

سار علي من العراق بجيشه يريد الشام لقتال معاوية، وسار معاوية من الشام للقاء جيش علي في العراق، والتقى الجيشان بصفين على الفرات، واقتتلوا قتالا شديدا لم يقتتل المسلمون مثله، وخاض علي المعارك بنفسه، فقتل سبعون ألفا من الفريقين على أصح الروايات، منهم مئات من الصحابة، وفيهم القراء والعلماء، فكانت مصيبة الإسلام بهم عظيمة، «وما كف القتال أيام صفين إلا لما أمر معاوية جماعته

75

أن ينادوا في سواد الليل نداء معه صراخ واستغاثة، يقولون: يا أبا الحسن، من لذرارينا من الروم إن قتلتنا، الله الله في البقية الباقية، كتاب الله بيننا وبينكم.» وغدا جماعة معاوية وقد رفعوا المصاحف على الرماح، وقلدوها أعناق الخيل، والناس على راياتهم قد أصبحوا للقتال.

وجرت المهادنة بين الجيشين على أن يكون لعلي العراق ولمعاوية الشام، لا يدخل أحدهما على صاحبه في عمله بجيش ولا غارة ولا غزو، على أن يحكم الفريقان بينهما حكمين، حكما من جهة علي، وحكما من جهة معاوية، فحكم علي أبا موسى الأشعري، وحكم معاوية عمرو بن العاص، ويكون الخليفة من يتفق الحكمان على توليته، «وكتبوا بينهم كتابا

76

أن يوافوا رأس الحول بأذرح،

77

فينظروا في أمر هذه الأمة، فافترق الناس فرجع معاوية بالألفة من أهل الشام، وانصرف علي إلى الكوفة بالاختلاف والدغل، فخرجت عليه الخوارج من أصحابه ومن كان معه، وقالوا: «لا حكم إلا لله» وعسكروا بحروراء،

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ٣٢٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ٣٢٠